العرب من البلاغة إلى البلاهة

محي الدين غنيم  …..

كان العرب يوماً أهل البلاغة والفصاحة، إذا تحدثوا أنصت العالم، وإذا قالوا كلمة كانت لها قيمة، وإذا وقفوا في وجه الظلم كان لموقفهم وزن وهيبة. أمةٌ أنجبت شعراء وحكماء وفلاسفة وقادة، وصنعت حضارة امتد أثرها إلى أصقاع الدنيا.
لكن السؤال المؤلم اليوم : ماذا بقي لنا من ذلك المجد؟ وأين ذهبت تلك المكانة؟
لقد انتقلنا، بكل أسف، من البلاغة إلى البلاهة، ومن صناعة الموقف إلى صناعة الخلاف، ومن التفكير في المستقبل إلى الغرق في تفاصيل تافهة لا تصنع وطناً ولا تحمي أمة.
نحن لا نعاني من نقص في الكلام؛ بل نعاني من فائض الكلام ونقص الفعل.
نتحدث عن الكرامة ونحن عاجزون عن حماية أبسط حقوق الإنسان، ونتغنى بالمجد العربي بينما واقعنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي يصرخ بأننا نعيش واحدة من أكثر مراحل الضعف والتشرذم قسوة.
أصبح العربي يختلف مع أخيه على الطائفة، وعلى الأصل والمنبت، وعلى اللهجة والمدينة، وعلى من هو أحق بالوطن، بينما العالم من حوله يبني اقتصاده وجيوشه وتقنياته ومستقبله.
يا للعجب! أمة تمتلك التاريخ ولا تمتلك الحاضر، وتمتلك الثروات ولا تمتلك قرارها، وتمتلك الملايين من الشباب ولا تعرف كيف تستثمر طاقاتهم!
الأكثر إيلاماً أن بعضنا أصبح يتعامل مع الخلاف وكأنه بطولة، ومع الشتيمة وكأنها حجة، ومع نشر الشائعات وكأنها سبق صحفي، ومع التشهير بالآخر وكأنه انتصار.
حتى مواقع التواصل الاجتماعي تحولت عند البعض من مساحة للتواصل إلى ساحة للشتائم والتخوين والتشهير وإشعال الفتن.
وهنا تكمن الكارثة : لم تعد المشكلة في أن يختلف العرب، فالاختلاف سنة الحياة، وإنما المشكلة أننا لم نتعلم كيف نختلف دون أن نتحول إلى أعداء.
أين ذهبت ثقافة الحوار؟
أين ذهبت الحكمة؟
أين ذهب احترام الكبير والعالم والمفكر والمثقف؟
وأين أصبح العقل وسط هذا الضجيج الهائل؟
لقد أصبح بعضنا يصفق لمن يصرخ أكثر، ويصدق من يكذب بطريقة أكثر إقناعا، ويتابع من يثير الفتنة أكثر ممن يقدم فكرة تنفع الناس.
هذه ليست أزمة بلاغة… إنها أزمة عقل.
ولست هنا لأجلد الشعوب العربية أو أنكر ما فيها من خير وعلم وكرامة، فالعرب ما زال فيهم من الشرفاء والمبدعين وأصحاب المواقف ما يجعل الأمل قائماً. لكن الصمت عن الانحدار ليس حكمة، والمجاملة في زمن الأزمات قد تكون خيانة للحقيقة.
نحن بحاجة إلى أن نستعيد شيئاً من عقلنا قبل أن نستعيد أمجادنا.
نحتاج إلى تعليم يحترم العقل، وإعلام يحترم الحقيقة، وسياسة تحترم المواطن، ومجتمع يرفض العنصرية والطائفية والمناطقية، وشباب يؤمن بأن صناعة المستقبل أهم من معارك التعليقات والمنشورات.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الخطباء الذين يجيدون الكلام؛ نحتاج إلى رجال ونساء يجيدون صناعة الفعل.
لقد كان العربي يوماً إذا قال فعل، وإذا وعد وفّى، وإذا اختلف لم يهدم، وإذا انتصر لم يتكبر.
فهل نستطيع أن نعود؟
هل نستطيع أن نخرج من مستنقع الصراعات الصغيرة إلى فضاء القضايا الكبرى؟
هل نستطيع أن نكف عن سؤال: “من أنت؟ ومن أين أصلك؟ وما طائفتك؟” ونبدأ بالسؤال الأهم: ماذا قدمت لوطنك وأمتك؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأمة ليس أن تخسر معركة، وإنما أن تفقد قدرتها على إدراك أنها تخسر.
وهنا تكون البلاهة الحقيقية.
أيها العرب…
لا تجعلوا تاريخكم العظيم مجرد قصائد نتغنى بها، ولا تجعلوا حضارتكم صفحات في الكتب، ولا تجعلوا كرامتكم شعاراً للاستهلاك.
عودوا إلى العقل قبل أن تطالبوا بالمجد.
عودوا إلى الوحدة قبل أن تتحدثوا عن القوة.
عودوا إلى العمل قبل أن ترفعوا شعارات النهضة.
فالأمم لا تعيش على أمجاد الآباء، ولا تنتصر بالصراخ، ولا تبني مستقبلها بالشتائم.
إما أن نستعيد عقولنا ونصنع مكانتنا من جديد، وإما أن نبقى أسرى الماضي، نتحدث كثيراً… ونفعل قليلاً… حتى يصبح عنوان واقعنا فعلا : العرب من البلاغة إلى البلاهة !
الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا