فادي السمردلي يكتب: تحت القرار | نظام أسواق الجملة للخضار والفواكه.. من يحدد سعر ما نأكل؟

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

حين يشتري المواطن كيلو بندورة أو بطاطا أو خياراً من السوق، فإنه يرى رقماً واحداً على الميزان ويدفعه ولكن خلف هذا الرقم رحلة طويلة تبدأ من المزرعة، وتمر بالنقل والفرز والتخزين وسوق الجملة والتاجر، قبل أن تصل إلى المستهلك وبين أول سعر يدفعه التاجر للمزارع وآخر سعر يدفعه المواطن، تتوزع تكاليف وهوامش وأدوار متعددة ولهذا فإن السؤال الذي يطرحه نظام أسواق الجملة للخضار والفواكه لسنة 2026 ليس سؤالاً إدارياً فقط، بل سؤال يمس المزارع والمستهلك معاً: من يحدد سعر ما نأكل؟

مجلس الوزراء أقر في 16 آب 2026 النظام المعدل لنظام أسواق الجملة للخضار والفواكه، بهدف تعزيز الدور الرقابي لوزارتي الإدارة المحلية والزراعة، وتنظيم تداول المنتجات البستانية، بما يضمن حقوق المزارعين والمستهلكين وتحقيق التوازن في أسعار المنتجات الزراعية.كما يتيح النظام لبلدية أو أكثر إنشاء سوق جملة بصورة مشتركة، بما يخفف الكلف التشغيلية ويفتح المجال أمام تنظيم أفضل للتسويق الزراعي.

لكن أهمية القرار لا تكمن فقط في السماح بإنشاء سوق جديد أو جمع أكثر من بلدية تحت إدارة واحدة فالأهم هو ما يحدث داخل هذه السوق، وما إذا كان التنظيم الجديد قادراً فعلاً على جعل السعر أكثر شفافية وعدالة فالحكومة تتحدث عن تنظيم عمليات التداول، وضبط البيع العشوائي خارج الأسواق، وتحسين الرقابة، بينما يتطلع المزارع إلى سوق يحصل فيه على سعر أفضل لمحصوله، وينتظر المواطن أن ينعكس ذلك على السعر الذي يدفعه في نهاية السلسلة.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية فالسعر لا يولد عند باب محل الخضار إنه يتشكل قبل ذلك بكثير. المزارع يتحمل كلفة الأرض والمياه والعمالة والبذور والأسمدة والطاقة، ثم تأتي كلفة القطاف والتعبئة والنقل، وبعدها التداول والفرز والتخزين والبيع وكل مرحلة تضيف كلفة أو هامشاً أو خسارة محتملة وإذا لم تكن هذه السلسلة واضحة، يبقى المواطن أمام سعر نهائي لا يعرف كيف وصل إليه، ويبقى المزارع أمام سعر بيع قد لا يعكس ما أنفقه لإنتاج المحصول.

النظام الجديد يحاول التدخل في هذه الحلقة من خلال تنظيم السوق وتوسيع القدرة على إنشاء أسواق مشتركة بين البلديات ووفق وزارة الإدارة المحلية، فإن التعديل يهدف أيضاً إلى تخفيف الأعباء المالية والكلف التشغيلية عن البلديات، خصوصاً غير القادرة على إنشاء أسواق منفردة، إلى جانب استثمار المحال والبرادات وتحصيل الرسوم مقابل الخدمات.

لكن السؤال الذي يهم المواطن يبقى أبعد من البنية الإدارية للسوق هل يؤدي تنظيم السوق إلى انخفاض السعر الذي يدفعه؟ هنا تحديداً يجب ألا نخلط بين إنشاء السوق وبين نجاح السوق فقد يكون لدينا سوق أكثر تنظيماً، ومبانٍ أفضل، وخدمات أكثر، ورسوم واضحة، لكن المواطن لا يشعر بأي فرق إذا بقيت الفجوة السعرية بين المنتج والمستهلك على حالها.

والأمر نفسه ينطبق على المزارع فهدف حماية المزارع لا يتحقق بمجرد إدخاله إلى سوق رسمي، وإنما عندما يصبح قادراً على بيع محصوله بسعر عادل يعكس كلفة إنتاجه وظروف السوق لذلك فإن نجاح النظام يجب أن يقاس بما يحدث للسعر عند طرفي المعادلة كم يحصل المزارع؟ وكم يدفع المستهلك؟ وما حجم الفارق بين الرقمين؟ ومن يحصل على هذا الفارق، ولماذا؟

وهنا تبرز أهمية الشفافية. ففي عام 2025 أُقر نظام أسواق الجملة للمنتجات البستانية لأمانة عمان، وكان من بين أهدافه معالجة الاختلالات على امتداد سلسلة الإنتاج من المزارع إلى المستهلك، وإنشاء منصة إلكترونية يكون فيها السعر مكشوفاً، مع توجه نحو الزراعة التعاقدية ونسب ربح منطقية ومعقولة وهذا يوضح أن مشكلة السعر ليست جديدة، وأن التحدي الحقيقي هو الانتقال من فكرة الشفافية إلى تطبيق يمكن للمواطن والمزارع مراقبته.

والسوق المركزي نفسه يعطينا صورة عن حجم الحركة التي تجري يومياً ففي 8 آب 2026 دخل إلى سوق الجملة المركزي التابع لأمانة عمان نحو 2945 طناً من الخضار و1115 طناً من الفواكه و180 طناً من الورقيات، بينما تراوحت أسعار عدد من الأصناف بين حد أدنى وحد أعلى للكيلوغرام الواحد، بحسب الكميات والصنف وجودته وهذه الأرقام تكشف أن السعر ليس رقماً ثابتاً، وإنما نتيجة عرض وطلب وجودة وكميات وتوقيت وظروف سوق.

لكن وجود فروقات في السعر داخل السوق أمر، ومعرفة المواطن لماذا تضاعف السعر بين مرحلة وأخرى أمر آخر. وهنا يجب أن يذهب تطبيق النظام إلى أبعد من ضبط البيع العشوائي فالمطلوب هو معرفة حركة المنتج منذ دخوله السوق حتى خروجه، وما هي الخدمات التي دفعت مقابلها الرسوم، وكيف تتشكل العمولات والكلف، وكيف تصل المعلومة السعرية إلى المزارع والمستهلك معاً.

النظام يفتح أيضاً الباب أمام البلديات للتعاون في إنشاء أسواق مشتركة وهذه خطوة يمكن أن تكون مهمة إذا أدت إلى تقليل الكلف وتوزيع الخدمات بصورة أفضل، خصوصاً للبلديات التي لا تستطيع تحمل كلفة إنشاء سوق منفرد ولكن نجاح هذه الشراكات لن يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرتها على تحسين كفاءة السوق وخفض الكلفة ومنع تحول الرسوم والخدمات الجديدة إلى عبء إضافي ينتقل في النهاية إلى سعر المنتج.

وهنا يجب أن تكون الرقابة مزدوجة رقابة على السوق حتى لا تتحول الفوضى إلى قاعدة، ورقابة على أثر التنظيم نفسه حتى لا يصبح التنظيم مجرد طبقة جديدة من الكلف والإجراءات فالهدف المعلن هو حماية المزارع والمستهلك معاً، وأي نجاح لطرف على حساب الآخر لن يكون نجاحاً كاملاً فإذا ارتفع سعر المنتج للمستهلك دون أن يتحسن دخل المزارع، فالمشكلة لم تُحل وإذا انخفض السعر للمستهلك بطريقة تضغط على المنتج وتجعله عاجزاً عن تغطية كلفة إنتاجه، فالمشكلة أيضاً لم تُحل.

والاختبار الحقيقي للنظام سيكون في الأرقام التي يمكن قياسها بعد التنفيذ ، متوسط السعر الذي يحصل عليه المزارع، ومتوسط السعر الذي يدفعه المستهلك، وحجم الفاقد، وكلفة النقل والتخزين، وحجم التداول خارج الأسواق، وعدد الأسواق المشتركة التي تنشأ فعلياً، ومدى تغير الفارق بين سعر المنتج وسعر التجزئة. عندها فقط نستطيع أن نعرف إن كان النظام قد غيّر طريقة تشكل السعر، أم أنه غيّر طريقة إدارة السوق فقط.

لأن المواطن لا يشتري «نظاماً» ولا «سوقاً» ولا «لائحة تنظيمية» المواطن يشتري كيلوغراماً من الخضار ويدفع ثمنه من دخله. والمزارع لا يعيش على الوعود بتنظيم السوق، بل على ما يبقى له من سعر محصوله بعد أن يدفع كلفة إنتاجه وبين الطرفين تقع مسؤولية الدولة في أن تجعل السوق أكثر شفافية وعدالة وكفاءة.

في النهاية، السؤال ليس فقط من يبيع؟ ومن يشتري؟ السؤال الأهم هو من يحدد السعر؟ وهل يتحدد وفق العرض والطلب والكلفة والجودة في سوق منظم وشفاف، أم أن هناك حلقات في الطريق تستطيع أن تضيف إلى السعر ما لا يراه المزارع ولا يعرفه المستهلك؟

نظام أسواق الجملة للخضار والفواكه وضع إطاراً جديداً للتنظيم والرقابة وفتح الباب أمام أسواق مشتركة بين البلديات ولكن قيمة القرار ستظهر في مكان آخر تماماً عندما يقف المزارع عند بداية السلسلة، والمواطن عند نهايتها، ويجد كل منهما أن السوق أصبح أكثر عدلاً ووضوحاً.

فالسؤال ليس أين يوجد السوق فقط السؤال: من يحدد سعر ما نأكل؟ وهنا يبدأ الاختبار.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا