فلسطين لم تُبع… فلسطين انتُزعت: قبل أن تتهموا الفلسطيني اسألوا من مهّد الطريق ؟!
محي الدين غنيم …..
من المؤلم أن يتكرر في الآونة الأخيرة خطاب يحمّل الشعب الفلسطيني مسؤولية ضياع فلسطين، وكأن الفلسطيني خرج ذات صباح وباع وطنه ثم غادره طوعًا!
هذه رواية تختزل التاريخ بطريقة ظالمة ومضللة.
نعم، وقعت قبل عام 1948 عمليات بيع أراضٍ لجهات صهيونية، لكن السجلات والدراسات التاريخية تؤكد أن جانبًا مهمًا من تلك الصفقات تم مع مُلّاك كبار وغائبين، وكان بعضهم يقيم خارج فلسطين، ومنهم ملاك من لبنان وسوريا ومناطق أخرى. وتشير مصادر تاريخية إلى صفقات كبيرة، منها شراء أراضٍ واسعة في مرج ابن عامر من ملاك لبنانيين غائبين، ترتب عليها إخلاء قرى فلسطينية.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة أكبر هو : هل كانت فلسطين ستضيع لمجرد وجود بعض صفقات بيع؟ أم أن ضياعها ارتبط بمشروع سياسي وعسكري استغل تلك الصفقات، ثم جاء عام 1948 بما حمله من حرب وتهجير ومجازر واقتلاع واسع للفلسطينيين؟
الأمم المتحدة توثق أن نكبة عام 1948 أدت إلى تهجير أكثر من نصف الشعب الفلسطيني، وأن عمليات النزوح ارتبطت بالحرب والهجمات على القرى والمدن، ثم جرى الاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية. كما توثق مصادر الأمم المتحدة وقائع متعددة من القتل والتهجير وتدمير القرى والاستيلاء على الممتلكات.
فكيف يستقيم بعد كل ذلك أن يُختزل تاريخ شعب بأكمله في عبارة: «الفلسطيني باع أرضه»؟
أي فلسطيني كان يملك قرارًا ببيع وطن كامل؟
وأي فلاح بسيط كان يملك قرار منع الجيوش من اقتحام قريته؟
وأي أم فلسطينية كانت تستطيع أن تواجه المجازر لتحمي بيتها؟
وأي طفل كان يستطيع أن يمنع اقتلاعه من أرض آبائه وأجداده؟
الفلسطيني لم يكن وحده صاحب القرار في فلسطين، ولم يكن وحده من صنع مأساة فلسطين.
ولهذا، قبل أن توجهوا أصابع الاتهام إلى الضحية، اسألوا السؤال التاريخي الأكبر : من الذي تآمر؟ ومن الذي مهّد؟ ومن الذي سلّم فلسطين عمليًا إلى المشروع الصهيوني؟ ومن الذي كان يملك القدرة السياسية والعسكرية على منع ما حدث ولم يفعل؟
نحن لا نحتاج اليوم إلى تسمية أحد؛ فالتاريخ يعرف، والوثائق تعرف، والذين عاشوا تلك المرحلة يعرفون، ومن يريد البحث سيجد الإجابات.
أما الفلسطيني، فقد خرج من النكبة لا يملك وطنه، ولا بيته، ولا متجره، ولا مزرعته، لكنه امتلك شيئًا لم يستطيعوا انتزاعه منه: إرادة الحياة.
ذهب الفلسطيني إلى الأردن والخليج ولبنان وسوريا وأوروبا والأمريكيتين، واشتغل في البناء والتعليم والطب والهندسة والتجارة والإعلام والاقتصاد، وبنى نفسه من الصفر في كثير من الأحيان، وأثبت أن الإنسان يمكن أن يُقتلع من أرضه، لكن لا يمكن اقتلاع الأرض من ذاكرته.
لذلك، كفّوا عن جلد الفلسطيني.
فلسطين لم تضِع لأن الفلسطيني باعها؛ فلسطين ضاعت في سياق مشروع استعماري وصهيوني وحرب وتهجير وتواطؤات وصراعات دولية وإقليمية معقدة.
ومن يريد محاكمة التاريخ، فليبدأ بالسؤال الصحيح:
ليس: «من باع قطعة أرض؟»… بل: «من الذي جعل بيع قطعة أرض يتحول إلى ضياع وطن؟»
عندها فقط ستتغير الرواية، وسيتوقف الظلم عن تحميل شعبٍ بأكمله وزر كارثة لم يصنعها وحده.
الكاتب من الأردن