من قاع البحر إلى الديوان الملكي.. ساقٌ عادت إلى صاحبها ورسالةٌ خرجت من الأردن إلى العالم

بقلم: نضال فايز البيك  …..

 

لم تكن الساق التي خرجت من مياه خليج العقبة مجرد طرف مبتور ينتظر معجزة.
كانت اختبارًا للوقت، وللإنسان، وللمؤسسات، وللقدرة على تحويل المستحيل إلى فرصة.
وفي الأردن، بدأت الحكاية من قاع البحر، وانتهت في الديوان الملكي الهاشمي؛ وبين المكانين قصة وطن كامل تحرك لإنقاذ إنسان.
مواطن مصري يتعرض لحادث بحري في العقبة، وساقه تُبتَر وتسقط في مياه الخليج.
الوقت يمضي.
والفرصة تضيق.
لكن رجال الدفاع المدني والغطاسون لم يتعاملوا مع الحادث باعتباره حالة عابرة.
دخلوا البحر بحثًا عن الطرف المبتور، وفي ظروف ميدانية صعبة، حتى تمكنوا من العثور عليه وانتشاله والتعامل معه بطريقة حافظت على إمكانية الاستفادة منه طبيًا.
ثم بدأت رحلة أخرى مع الزمن، من العقبة إلى عمّان، حيث كان فريق طبي ينتظر حالة يعرف الجميع أن كل دقيقة فيها قد تصنع الفارق.
وبعدها بدأت العملية.
ساعات من العمل الطبي الدقيق، وتكامل بين الجراحة والأوعية والأعصاب والعظام والتمريض والتخدير والرعاية اللاحقة، حتى تمكن الفريق من إعادة زراعة القدم.
وتشير المعلومات التي أعلنها الفريق إلى أن هذه الحالة تُعد، وفق ما توفر لديهم من معلومات، الثالثة من نوعها عالميًا بعد حالتين في تركيا وكوريا.
لكن السؤال الأهم ليس فقط:
كيف نجح الأطباء؟
السؤال الأهم هو:
كيف اجتمعت كل هذه الحلقات في اللحظة المناسبة؟
هنا تبدأ قصة الأردن الحقيقية.
فهذا الإنجاز لم تصنعه غرفة العمليات وحدها.
صنعته منظومة بدأت من رجل الدفاع المدني الذي استجاب، والغطاس الذي نزل إلى البحر، والمسعف الذي تعامل مع المصاب، والسائق الذي نقل الحالة، والطبيب الذي اتخذ القرار، والممرض الذي رافق المريض، والفريق الذي بقي حتى النهاية.
وهذا هو معنى الدولة عندما تعمل مؤسساتها معًا.
فالنجاح الحقيقي ليس أن يمتلك الأردن طبيبًا بارعًا فقط، أو غواصًا محترفًا فقط، أو مؤسسة صحية متقدمة فقط.
النجاح أن تعمل هذه القدرات في اللحظة الحرجة كأنها فريق واحد.
وهنا جاءت دلالة استقبال رئيس الديوان الملكي الهاشمي يوسف حسن العيسوي للفريق الطبي.
فالاستقبال لم يكن مجرد صورة تذكارية بعد عملية ناجحة.
كان اعترافًا بقيمة الإنجاز، وبقيمة الإنسان الذي يقف خلفه.
وعندما تؤكد الدولة أن هذا النجاح يستحق التقدير، فهي تبعث برسالة إلى كل طبيب وممرض ومسعف ورجل دفاع مدني:
نحن نرى ما تفعلون.
وهذه الرسالة مهمة جدًا.
لأن الكفاءات لا تحتاج فقط إلى التدريب.
تحتاج أيضًا إلى أن تشعر بأن إنجازها محل تقدير، وأن ما تقدمه للوطن لا يمر بصمت.
والأهم أن في هذه القصة جانبًا يتجاوز الأردن.
المصاب مصري.
لم يكن بين أهله.
وفي لحظة قاسية كان يمكن أن يشعر فيها بالغربة والخوف، وجد حوله أردنيين تعاملوا معه قبل كل شيء باعتباره إنسانًا.
وهنا لا نتحدث عن مجاملة عربية.
نتحدث عن سلوك إنساني حقيقي.
أن تكون عربيًا في الأردن، يعني أنك لن تكون وحدك عندما تحتاج إلى من يقف إلى جانبك.
وهذه الصورة يجب أن تصل إلى العالم.
فالأردن الذي نريد أن يعرفه الناس ليس فقط الأردن الذي يواجه التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية.
هناك أردن آخر يستحق أن يُروى.
أردنٌ ينقذ.
أردنٌ يعالج.
أردنٌ يكرّم.
أردنٌ يحترم الإنسان.
وأردنٌ يمتلك كفاءات قادرة على التعامل مع الحالات الطبية الأكثر تعقيدًا.
وهنا تأتي أهمية السياحة العلاجية.
فسمعة الأردن الطبية لا تُبنى بالإعلانات وحدها.
تُبنى بقصص حقيقية.
بمريض يدخل المستشفى وهو يحمل الخوف، ثم يخرج وهو يحمل الأمل.
وبطبيب أردني ينجح في مهمة صعبة.
وبفريق دفاع مدني يصل في الوقت المناسب.
وبمؤسسات تعرف كيف تتكامل عندما يكون الزمن هو الخصم الأول.
وقد أشار اللقاء في الديوان الملكي إلى أهمية استثمار مثل هذه الإنجازات في تعزيز مكانة الأردن الطبية والسياحة العلاجية والتعريف بالكفاءات الأردنية عربيًا ودوليًا.
لكن هناك رسالة أخرى لا تقل أهمية.
جزء من خبرات الفريق الطبي تراكم خلال سنوات العمل في الخدمات الطبية الملكية، ثم انتقلت هذه الخبرة إلى مواقع أخرى لتواصل خدمة الإنسان.
وهذا نموذج مهم في بناء الدول:
أن تستثمر المؤسسة في الإنسان، ثم يواصل الإنسان صناعة الإنجاز أينما كان.
فالخبرة الوطنية لا ينبغي أن تبقى محصورة داخل مؤسسة.
إنها رأس مال بشري ينتقل، ويتطور، ويخدم المجتمع.
ومن هنا فإن تكريم الفريق الطبي ليس تكريمًا لعملية واحدة فقط.
إنه تكريم لفكرة أكبر:
أن الاستثمار في الإنسان يعود على الوطن إنجازًا.
وأن الطبيب الأردني، والممرض الأردني، والمسعف الأردني، ورجل الدفاع المدني، ليسوا مجرد موظفين يؤدون واجبًا.
إنهم جزء من صورة الأردن أمام العالم.
ولهذا أعتقد أن علينا ألا نكتفي بالتصفيق لهذه القصة.
علينا أن نوثقها.
وأن نرويها.
وأن نعرّف العالم بأصحابها.
وأن نُخرج إنجازاتنا الطبية من غرف العمليات إلى الفضاء العربي والدولي.
فكم من طبيب أردني يمتلك قصة نجاح لا يعرفها أحد؟
وكم من حالة طبية معقدة نجح الأردن في التعامل معها ولم تحصل على حقها من التوثيق؟
وكم من قصة يمكن أن تصبح جسرًا جديدًا للسياحة العلاجية، إذا عرفنا كيف نقدمها للعالم؟
إن قصة الساق التي خرجت من البحر وعادت إلى صاحبها ليست مجرد قصة نجاح طبي.
إنها قصة وطن.
بدأت بغطاس نزل إلى البحر.
ومسعف حمل مسؤولية.
وطبيب رفض أن يستسلم لصعوبة الحالة.
وفريق طبي عمل لساعات.
ومؤسسات تكاملت.
ثم دولة رأت الإنجاز وكرّمته.
وهنا تحديدًا يصبح الدعم الملكي أكثر من مجرد تكريم.
إنه رسالة إلى أصحاب الكفاءات:
استمروا.
وإلى الشباب:
هذا الوطن يستطيع أن يصنع الإنجاز.
وإلى العالم:
هذا هو الأردن عندما يضع الإنسان أولًا.
ومن قاع البحر إلى غرفة العمليات، ومن غرفة العمليات إلى الديوان الملكي، لم تكن الرحلة رحلة ساقٍ فقط.
كانت رحلة أمل.
وكانت رسالة دولة.
وكانت حكاية أردنية تستحق أن تُروى.
نضال فايز البيك

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا