الملك يواجههم في واشنطن.. فمن يسانده في عمّان؟ ثمانية أبواب لصناعة القرار الأمريكي.. وخطة أردنية يجب أن تبدأ من الداخل
بقلم: نضال فايز البيك …..
ماذا لو كان جلالة الملك عبدالله الثاني يدخل إلى واشنطن محمّلًا بملفات الأردن، بينما نحن في عمّان نكتفي بانتظار ما سيقوله بعد عودته؟
السؤال ليس مبالغة.
فالملك عندما يتوجه إلى الولايات المتحدة لا يلتقي مؤسسة واحدة ولا مسؤولًا واحدًا، ولا يضع ملفات الأردن على طاولة واحدة ثم يغادر.
هناك شبكة واسعة من دوائر القرار والتأثير: البيت الأبيض، وزارة الخارجية، وزارة الدفاع، مجلس الأمن القومي، مجلس الشيوخ، مجلس النواب ولجانهما، إضافة إلى المؤسسات الاقتصادية والأكاديمية ومراكز الفكر والتأثير.
وهنا يجب أن نتوقف.
الملك لا يذهب إلى واشنطن في رحلة بروتوكولية… بل يخوض جهدًا دبلوماسيًا وسياسيًا متعدد المسارات.
وقد شملت لقاءاته الأخيرة في الولايات المتحدة الرئيس الأمريكي، ووزير الخارجية، ومستشار الأمن القومي، ووزير الدفاع، وأعضاء لجان في مجلسي الشيوخ والنواب، إلى جانب لقاءات مع شركات وجامعات ومؤسسات تعليمية. كما عقد جلالته لقاءات مع لجان الكونغرس المعنية بالعلاقات الخارجية والمخصصات والقوات المسلحة.
هذه التفاصيل يجب ألا تمر علينا كخبر عابر.
لأنها تقول لنا شيئًا واضحًا:
إن الدفاع عن المصالح الأردنية في واشنطن لا يتم من خلال باب واحد، ولا يخاطب جهة واحدة.
ومن هنا تأتي مسؤوليتنا نحن.
لا تتركوا الملك وحده
جلالة الملك يحمل الموقف الأردني إلى أعلى مستويات القرار الدولي.
لكن هل يكفي أن يحمل الملك الرسالة؟
لا.
المطلوب أن تكون خلف هذه الرسالة دولة تعمل، ومؤسسات تتابع، وخبراء يقدمون المعلومات، وإعلام يخاطب العالم، وبرلمان يتحرك، وقطاع خاص يبني العلاقات، ومراكز بحث تنتج المعرفة.
الدبلوماسية الملكية تحتاج إلى قوة وطنية موازية في الداخل.
ولذلك فإن الدعوة اليوم ليست إلى مزيد من البيانات والشعارات.
الدعوة إلى خطة عمل وطنية.
إلى المسؤولين: ابدأوا من الغد
أدعو الحكومة والجهات المعنية إلى تشكيل فريق وطني دائم لمتابعة العلاقات الأردنية الأمريكية، لا يعمل فقط عندما يقترب موعد زيارة الملك إلى واشنطن.
فريق يجمع السياسة والاقتصاد والقانون والإعلام والعلاقات الدولية، وتكون مهمته متابعة الملفات التي يطرحها جلالة الملك، وتحويلها إلى مسارات عمل قابلة للقياس.
1. أنشئوا ملفًا أردنيًا موحدًا
نحتاج إلى وثيقة أردنية واضحة، بالعربية والإنجليزية، تعرض ثوابت الأردن ومصالحه وأولوياته، خصوصًا في ملفات الأمن الوطني، القضية الفلسطينية، رفض التهجير، القدس والمقدسات، الاقتصاد، الطاقة، المياه والاستقرار الإقليمي.
وثيقة لا تتغير بتغير الحكومات، ولا تبقى حبيسة الأدراج.
2. افتحوا قناة مؤسسية مع الكونغرس
لا ينبغي أن تنتظر عمّان زيارة ملكية حتى تتحدث مع أعضاء الكونغرس.
نحتاج إلى تواصل مستمر مع اللجان وأعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، وتزويدهم بالدراسات والمعلومات التي تشرح الموقف الأردني ومصالح الأردن.
الدبلوماسية لا تبدأ وتنتهي في موعد الزيارة.
3. ابنوا إعلامًا أردنيًا يخاطب العالم
كم مرة وصلت الرواية الأردنية إلى المواطن الأمريكي بلغته وبأدواته؟
نحن بحاجة إلى محتوى احترافي باللغة الإنجليزية، يقدم الأردن ومواقفه ومصالحه بعيدًا عن الانفعال والمبالغة.
فالرسالة التي لا تصل إلى الرأي العام وصانع القرار، تترك مساحة لآخرين كي يقدموها بالنيابة عنا.
4. حرّكوا الجامعات ومراكز الدراسات
لماذا لا يكون لدينا برنامج أردني لإنتاج دراسات وأبحاث باللغة الإنجليزية وإيصالها إلى الجامعات ومراكز الفكر الأمريكية؟
الأردن لا يجب أن يكون فقط موضوعًا للدراسة في الخارج.
يجب أن يكون منتجًا للمعرفة التي تصل إلى دوائر القرار.
5. اجعلوا الاقتصاد جزءًا من الدبلوماسية
العلاقة الأردنية الأمريكية ليست سياسية وأمنية فقط.
كل شراكة اقتصادية، وكل استثمار، وكل مشروع ناجح، وكل رجل أعمال أردني يفتح نافذة جديدة مع نظيره الأمريكي، يمكن أن يساهم في توسيع مساحة المصالح المشتركة.
الدولة تحتاج إلى دبلوماسية اقتصادية تتحرك بالتوازي مع الدبلوماسية السياسية.
6. أعطوا المجتمع المدني دورًا
هناك أردنيون في الولايات المتحدة، ومؤسسات وجمعيات وأكاديميون ورجال أعمال، يمكن أن يكونوا جسورًا بين الأردن والمجتمع الأمريكي.
المطلوب تنظيم هذه الطاقات، لا تركها مبادرات فردية متفرقة.
7. تابعوا ما بعد الزيارة
وهذه ربما أهم نقطة.
ماذا يحدث بعد عودة الملك؟
من يتابع ما طرحه جلالته؟
من يتواصل مع الجهات التي اجتمع بها؟
من يقيس النتائج؟
من يضع جدولًا زمنيًا؟
ومن يعود إلى صانع القرار الأمريكي بعد شهر أو ثلاثة أشهر أو ستة أشهر ليقول: هذا ما يحتاجه الأردن، وهذه هي الملفات التي نريد متابعتها؟
الزيارة الملكية يجب ألا تكون نهاية التحرك.
يجب أن تكون بدايته.
8. أنشئوا مؤشرًا سنويًا للنتائج
نريد أرقامًا لا شعارات:
كم لقاءً مؤسسيًا تم؟
كم دراسة أُرسلت؟
كم شراكة اقتصادية تحققت؟
كم مؤسسة أمريكية جرى التواصل معها؟
ما الملفات التي تقدمت؟
وما الملفات التي تحتاج إلى جهد إضافي؟
عندها فقط نستطيع أن نقول إن لدينا دبلوماسية وطنية تعمل إلى جانب الدبلوماسية الملكية.
الملك يقوم بدوره.. فهل نقوم نحن بدورنا؟
لا أعتقد أن المطلوب أن ننافس الدبلوماسية الرسمية، ولا أن يحل المجتمع المدني محل الدولة، ولا أن يتحدث كل شخص باسم الأردن.
المطلوب أبسط وأعمق:
أن تعمل المؤسسات الأردنية بتناغم حول المصالح الوطنية التي يحملها جلالة الملك.
الملك يلتقي صانع القرار.
الحكومة تتابع.
البرلمان يتواصل.
الخبراء يشرحون.
الإعلام يخاطب العالم.
الجامعات تنتج المعرفة.
الاقتصاد يبني المصالح.
والمجتمع المدني يوسع دائرة التواصل.
هكذا تصبح المساندة فعلًا.
وهكذا لا يبقى الملك وحده وهو يحمل ملفات الأردن إلى العالم.
نحن لا نريد أن نترك الملك وحده في واشنطن، ثم نكتشف بعد عودته أننا لم نفعل شيئًا في عمّان.
نريد أن تتحول كل زيارة ملكية إلى ورشة عمل وطنية تبدأ قبل الزيارة، وتتحرك أثناءها، وتستمر بعدها.
فالملك يحمل صوت الأردن إلى الخارج…
وعلينا أن نجعل لهذا الصوت قوة مؤسسية في الداخل.
هذه ليست مجاملة للملك.
وليست تصفيقًا للدبلوماسية.
إنها مسؤولية وطنية.
الأردن أولًا… يعني أن نعمل من أجل الأردن أولًا.
الكاتب من الأردن
