فادي السمردلي يكتب : من_الملف | هل أموال الضمان آمنة بما يكفي؟
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
السؤال عن أموال الضمان لا ينبغي أن يبدأ من حجمها، بل من مستوى الأمان الذي تتمتع به. فالأموال التي تُجمع اليوم من اشتراكات العاملين ليست مجرد مدخرات متراكمة، وإنما التزام طويل الأجل تجاه أناس دفعوا من أجورهم وانتظروا أن يجدوا حقوقهم محفوظة عندما تنتهي سنوات العمل.
ولهذا فإن سلامة أموال الضمان لا تعني فقط أن تكون موجودة في دفاتر المؤسسة أو أن تحقق عائدًا سنويًا فالسلامة الحقيقية تعني قدرة هذه الأموال على مواجهة تقلبات الاقتصاد، وتحمل الأزمات، والوفاء بالالتزامات المستقبلية دون أن تصبح القرارات السابقة عبئًا على الأجيال القادمة.
قد تبدو بعض الاستثمارات آمنة عندما ننظر إليها في لحظة معينة، لكن إدارة الأموال طويلة الأجل لا تُقاس بلحظة واحدة فما يبدو مستقرًا اليوم قد تتغير مخاطره غدًا مع ارتفاع الفوائد، أو تباطؤ النمو، أو زيادة الدين، أو تغير الظروف المالية للدولة والأسواق.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر عمقًا هل نقيس أمان أموال الضمان وفق وضعها الحالي فقط، أم وفق قدرتها على الصمود عندما تتغير الظروف؟ الفارق بين السؤالين كبير، لأن الصندوق التقاعدي لا يعمل لسنة أو سنتين، بل يتحمل التزامات تمتد لعقود.
الاستدامة أيضًا ليست مجرد الحديث عن تحقيق عوائد مرتفعة فالعائد المرتفع إذا صاحبه مستوى مرتفع من المخاطر قد لا يكون بالضرورة الخيار الأكثر ملاءمة لأموال لها التزامات مستقبلية ثابتة فالمطلوب هو معادلة متوازنة بين العائد والأمان والسيولة والتنويع، بحيث لا يأتي الربح على حساب الاستقرار.
وهنا تظهر أهمية معرفة تركيبة المحفظة الاستثمارية ، كم تبلغ الاستثمارات في كل فئة من الأصول؟ وما نسبة التركّز؟ وما مقدار التعرض للسوق المحلي؟ وما حجم الارتباط بالدين الحكومي؟ وكيف يتم التعامل مع السيناريوهات الاقتصادية الصعبة؟ كلما كانت هذه الإجابات واضحة، أصبح تقييم مستوى الأمان أكثر واقعية.
الأمر لا يتعلق بالبحث عن استثمار خالٍ من المخاطر، فهذا غير موجود في عالم المال, القضية هي معرفة المخاطر، وقياسها، ووضع حدود لها، ومراقبتها باستمرار فالمؤسسة القوية ليست التي تفترض أن الظروف ستبقى كما هي، وإنما التي تضع في حساباتها احتمال تغير الظروف وتستعد له قبل حدوثه.
كما أن أمان أموال الضمان يرتبط بسلامة القرار الاستثماري نفسه. فكل قرار يجب أن يستند إلى معايير مهنية واضحة، وأن يخضع للتقييم والمراجعة، وأن يكون قادرًا على الإجابة عن سؤال بسيط لكنه جوهري لماذا هذا الاستثمار، وما الذي سيحدث لأموال المشتركين إذا لم تسر الأمور كما هو متوقع؟
والشفافية هنا تصبح جزءًا من الأمان، وليست مجرد وسيلة للإعلام فالمواطن لا يحتاج إلى تفاصيل فنية معقدة بقدر حاجته إلى صورة واضحة عن الاتجاه العام لأمواله، وحجم المخاطر، ومستوى التنويع، ومدى قدرة المؤسسة على التعامل مع المتغيرات.
ومن المهم كذلك الفصل بين الثقة العمياء والقلق غير المبرر فحماية الضمان لا تعني افتراض وجود أزمة، كما أن الحديث عن المخاطر لا يعني أن الخطر قد وقع بالفعل فالفرق بين الاثنين هو أن الإدارة الرشيدة تتعامل مع المخاطر المحتملة باعتبارها شيئًا يجب الاستعداد له، لا شيئًا يجب تجاهله حتى يصبح واقعًا.
إذا كانت أموال الضمان هي شبكة الأمان المستقبلية للمواطن، فإن الحفاظ عليها يتطلب أن تكون قرارات اليوم محسوبة بعين المستقبل فالمعيار الحقيقي لأي سياسة استثمارية ليس فقط ما حققته حتى الآن، وإنما مدى قدرتها على حماية حقوق المشتركين عندما تتغير الظروف الاقتصادية والمالية.
ولهذا يجب أن يبقى السؤال حاضرًا هل نملك من التنويع والحوكمة وإدارة المخاطر ما يكفي لحماية أموال الضمان في السنوات القادمة؟ وهل لدينا القدرة على اكتشاف نقاط الضعف مبكرًا وتصحيحها قبل أن تصبح تكلفة الإصلاح أكبر؟
أموال الضمان لا تحتاج إلى خطاب يطمئن الناس بأي ثمن، ولا إلى خطاب يثير المخاوف بلا دليل فما تحتاجه هو أرقام واضحة، ومعلومات متاحة، وسياسات استثمارية مفهومة، ورقابة فعالة، وقرارات تنظر إلى المستقبل كما تنظر إلى الحاضر.
فالضمان في النهاية ليس مؤسسة مالية تبحث عن نتيجة فصلية، وإنما منظومة تحمل وعدًا طويل الأجل للمواطن وكلما كان هذا الوعد مرتبطًا بأموال الناس وحقوقهم التقاعدية، أصبحت مسؤولية حمايته أكبر من أي مكسب قصير الأجل.
#من_الملف | الأمان الحقيقي ليس غياب المخاطر، بل القدرة على إدارتها قبل أن تصبح أزمة.
الكاتب من الأردن