من تاريخ الجواسيس الإنجليز *شكسبير العرب*
د. أحمد العرامي …..
وُلد ويليام هنري إيرفين شكسبير، ، في 29 أكتوبر 1878 في مدينة بومباي الهندية، حيث كانت تعمل أسرته ضمن صفوف الاحتلال البريطاني.
تخرج شكسبير من أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية عام 1896، وعاد إلى الهند ضابطاً بالجيش البريطاني في سلاح المدفعية حتى وصل إلى قيادة سلاح الفرسان السابع عشر في البنغال عام 1899.
لفت شكسبير الأنظار إليه بفعل قدراته السياسية والإدارية، فقررت حكومة الهند البريطانية استخدامه في العمل الدبلوماسي والاستخباراتي عام 1904 داخل الإدارة البريطانية للهند.
كان من الصعب العمل علناً في الصحراء العربية. لذا انخرط في السلك الأثري والجغرافي، فكان شكسبير خبيراً في رسم الخرائط والتجوال في شبه الجزيرة العربية إضافة إلى أنه من أوائل الذين مارسوا فن التصوير الفوتوغرافي في صحاري الجزيرة العربية، وهو صاحب أول صورة فوتوغرافية لعدد من حكام الخليج أبرزهم عبد العزيز آل سعود.
ورسم للجيش البريطاني خرائط غير مسبوقة لشرق وشمال شبه الجزيرة العربية، ورصد أنماط الحياة الاجتماعية وأهم رجالات القبائل، وجهز إرشيف فوتوغرافي كامل أُرسله إلى خبراء المخابرات البريطانية في لندن، كما لو أن حملة عسكرية بريطانية كاملة وضعت قدمها على تلك الأراضي حتى أصبح شكسبير من أهم المستكشفين الغربيين لتلك الصحاري.
وإلى جانب إجادته اللغات الفارسية والأردو والبشتو، أتقن شكسبير اللغة العربية بطلاقة، إضافة إلى فهمه الكامل للتقاليد والعادات والأزياء العربية، من قبل أن تطأ قدميه أرض شبه الجزيرة العربية.
وفي عام 1909، عُيّن نائباً للمقيم البريطاني في الخليج “بيرسي كوكس” ومندوباً لبريطانيا في الكويت والبحرين.
وبحلول عام 1910، أصبح المستشار العسكري لأمير نجد عبد العزيز بن سعود كما كان يُعرف آنذاك، أو الملك عبد العزيز آل سعود مؤسس المملكة العربية السعودية كما هو معروف اليوم.
في 11 يناير 1902، سيطر عبد العزيز آل سعود على الرياض التي كانت واقعة تحت حكم آل رشيد الشمّريين، حكام حائل. هكذا بدأت مسيرة الإمارة السعودية الثالثة. وعام 1904 قام بالزحف على القصيم ما وسّع من نفوذه وجعله يتطلع للسيطرة على باقي إمارات نجد، شرق الجزيرة العربية. وفي ذاك التوقيت، كانت بريطانيا تريد استخدام ابن سعود من أجل هزيمة حلفاء الدولة العثمانية في شبه الجزيرة العربية وتمليك الجزيرة إلى حلفائها. وتفهّم عبد العزيز هذا الأمر مبكراً، خاصةً أن حلفاء الدولة العثمانية هم مَن أسقطوا السعوديتين الأولى والثانية، تارة على يد المصريين وتارة على يد عشائر شمّر، حكام إمارة حائل.
قابل ابن سعود النقيب ويليام شكسبير للمرة الأولى في الكويت عام 1909، وسرعان ما نشأت بينهما صداقة قوية. وبعد بضعة أشهر من مغادرة ابن سعود الكويت عائداً إلى نجد، لحق به شكسبير. ولم يكن شكسبير مجرد مستشار عسكري في الخيمة، ولكنه كان الرجل الثاني في الجيش السعودي بعد ابن سعود، فكان يشارك بجانبه على أرض المعارك، مرتدياً بدلة عسكرية كاملة، وكان يقوم بتصوير الأحداث ويصدر أوامر عسكرية لفرق العشائر اعتماداً على خبرته العسكرية، ما وفّر للجيش السعودي حينها تفوقاً استراتيجياً على باقي الجيوش العشائرية التي واجهها.
وقد ذكر “أمين الريحاني” في كتابه “تاريخ نجد الحديث” أن شكسبير العرب ساهم بدور رئيسي في سيطرة ابن سعود على إقليم الإحساء العثماني، عام 1913، وطرد منه الحامية العثمانية، ما جعل الأخير ملكاً على نجد وجعله يتطلع إلى بدء الزحف على حائل حيث حكم أسرة آل رشيد.
وكما كان لورانس العرب متحمساً للثورة العربية بل وناقداً لبريطانيا بسبب عدم تقديمها الدعم الكافي للثوار، كان شكسبير العرب بدوره يرى أن بريطانيا يجب أن ترسل مزيداً من المال والسلاح إلى ابن سعود وكان يتهمها بأنها لا تقدّر أهميته بالقدر الكافي.
لعبت توصيات شكسبير دوراً مهماً في عقد اتفاق العقير، إثرَ اجتماع بين الأمير عبد العزيز آل سعود والسير آرثر باريت، ممثل حكومة بريطانيا، في مارس 1914، وبموجبه وسعت لندن مساعداتها ودعمها لإمارة نجد السعودية. ونظراً للحدود المشتركة بين إمارة نجد السعودية وولاية البصرة العراقية، في جنوب العراق اليوم، كان شكسبير العرب مهندس حماية الجيش السعودي لظهر الجيش البريطاني خلال عملية احتلال البصرة وجنوب العراق عام 1914.
بدأت المواجهات العسكرية بين نجد السعودية وحائل الشمرية، واندلعت معركة جراب بين الجيشين، وقاد شكسبير الجيش السعودي، في وجود ابن سعود، نظراً لأن الإمام سعود الثاني بن عبد العزيز آل رشيد كان يُعَدّ أهم حليف للعثمانيين في الجزيرة العربية، وحائل أو إمارة جبل شمر وكانت تُعتبره آخر حليف قوي للعثمانيين في المنطقة العربية.
بدأت المعركة في 17 يناير 1915، وسُحق الجيش السعودي على يد الجيش الشمّري في هزيمة وسقط شكسبير العرب صريعاً في تلك الموقعة وقُيّدت وفاته بتاريخ 24 يناير 1915، وظلت قصة وفاته لغزاً، وإن كان جثمانه دفن في الكويت عقب استعادته.
وفي يناير 2015، في الذكرى المئوية لوفاة شكسبير العرب الغامضة، كشفت المكتبة البريطانية British Library، وهي المكتبة الوطنية للمملكة المتحدة وتُعتبر ثاني أكبر مكتبة في العالم بعد مكتبة الكونغرس، عن تفاصيل مقتله. وبناء على شهادات جُمعت من القوة السعودية، ذات الاتصال الوثيق ببريطانيا، فإن المستشار البريطاني لأمير السعودية أصيب برصاصة في مرفقه الأيمن خلال المعركة، ثم أسره الجيش الشمري حياً وظل في الأسر فترة قبل أن يُعدَم برصاصتين، الأولى في رأسه والثانية في ظهره، وقُطع رأسه، وأرسلت خوذته العسكرية إلى الحامية العثمانية في المدينة المنورة، حيث قامت السلطات العثمانية بتعليقها على أسوار المدينة في رسالة لابن سعود تفيد بأن علاقته مع البريطانيين أصبحت معروفة لشعوب الحجاز.
ترك الجيش الشمّري جثمان النقيب البريطاني في أرض المعركة مع المئات من القتلى من أبناء العشائر المؤيدة لآل سعود. ولاحقاً عثر الجيش السعودي على الجثمان فنُقل بمعرفة بريطانيا إلى الكويت حيث دُفن ولا يزال حتى اليوم.
ورغم وفاته في سن السابعة والثلاثين، إلا أن توصيته الأخيرة بتوسيع الاعتماد على آل سعود تكللت بالنجاح لاحقاً، بتوقيع المعاهدة البريطانية السعودية، أو اتفاقية دارين (القطيف) في 26 ديسمبر 1915، ثم بإعطاء الضوء الأخضر لسلطان نجد باجتياح حائل والحجاز عقب انتهاء الحرب العالمية.
ورثى ضابط المخابرات البريطاني الشهير جون فيلبي(الحاج عبدالله )وبديله، الذى عمل مستشاراً لابن السعود منذ عام 1917 حتى وفاة الأخير عام 1953، شكسبير قائلاً: “إن وفاته وإنْ كانت خسارة لبلده إلا أنها كانت كارثة على القضية العربية، ولو نجا وواصل حياته فمن المشكوك فيه أن نرى لورانس العرب يظهر في غرب الجزيرة العربية لاحقاً”
الكاتب من اليمن