الشبيه!

تنتهي المشاريع الإعلامية الكبرى في العالم العربي بالفشل في الغالب، ذلك أنها لم تقم على مبدأ إعلامي- اقتصادي، بل على مبدأ سياسي محض. ينطلق المشروع منذ بدايته بوجهين، وجه يراه المتلقي، ووجه يختفي في المطابخ السياسية، يتعامل مع ذلك المتلقي من باب أنه «تابع»، وهذا التابع المسكين سيبتلع ما يقدم له من وجبات إعلامية، ستطبخ حسب قدرته على هضمها، لهذا وجدت قاعدة «الجمهور عايز كده» وهي قاعدة لا ترفع المشاهد إلى مستوى أعلى، بل تنزل إليه إلى حظيرته وتعلفه لهدف تسمينه، قبل أن يتحوّل في النهاية إلى تلك المطابخ فيهيَّأ ويرمى في القدور قبل أن يوضع على النّار.
وهذا سبب من الأسباب التي قلّصت دور المثقف في هذه المشاريع، لدرجة أن المنبر الثقافي فيها قد يكون متوفرا، وقد لا يكون. قد يكون باهتا لهدف إقناع الجمهور بتفاهة دور المثقف، وقد لا يلغى هذا المنبر تماما بحكم أن الثقافة مصدر خسارة ولا أرباح بالاستثمار فيها.
قد يعارضني البعض من باب أن كل المشاريع الإعلامية تقوم على عواتق مثقفين، وهنا أسجل رأيا مخالفا، فالمثقف نادرا ما تلجأ إليه السلطة السياسية لإدارة مشاريعها، فهي تصنع «موقفها الخاص» أو ما يشبه المثقف ليخدم مصالحها، ويصبح هذا الشبيه هو الذي يمثل الطبقة المثقفة الجالسة على كراسي الاحتياط إلى الأبد.
« شبيه المثقف» لا يزعج لا السلطة ولا المعارضة، آراؤه دوما مبهمة وغير واضحة، وحين يشرح وجهة نظره في المنابر الإعلامية المتاحة له أكثر من غيره، يكثر من ترديد كلمة «أعتقد» على أساس أن معتقداته تلك هي لب الموضوع، وهي التي تقرأ مصائر الأمم، وتحدد مستقبلها، وكما العرّافون الذين يُطِلُّون علينا من على شاشات ليلة رأس السنة، يطل علينا باليقين نفسه على أن «معتقداته» ستتحقق، فيما هي مجرد رسائل تصله ملخصة من مطابخ القيادات. «شبيه المثقف» يملك من الشهرة ما لا يملكه المثقف الحقيقي، وهو إن أحبه الجمهور فهذا هو المطلوب، وإن أخطأ وكرهه فزيادة الخير خيرين، لأن فشله سيلفق للفئة المثقفة كلها، وهذا ما يحدث في الحقيقة في مجتمعنا الذي فقد الثقة تماما في «النخبة»، وفي الفئة التنويرية التي تمتلك رؤى مختلفة لتسيير مجتمعاتنا بإيقاظ عقلها وتشغيله لا بتخديره.
مراحل تكوُّن المثقف تنبني جميعها على نهل المعارف و«شبيه المثقف» ليس من الضروري أن يعيش المراحل نفسها، لأن المطلوب منه أن يتسلح بنصف معرفة، ويكون «نصف فاهم» لكنّه يقوم بالدور المنوط له كاملا، عكس «المثقف الحقيقي» الذي يثير الأسئلة، ويريد أن يفهم كل شاردة وواردة قبل أن يوافق على القيام بما يناسبه ويناسب طاقاته.
الموضوع شائك، وهو يتجدد كلما ظننا أنه انتهى، ذلك أن المعضلة الكبرى في مجتمعنا خاصة، وفئاتنا المتفوقة تحديدا تكمن هنا، عندما تعطى الأدوار لغير أصحابها، ففي مقال سابق قلت إن المثقف عليه وما عليه، ولأني أعرف قارئي فقد وجهت الكثير من النقد للمثقف، لحصر نقاط تقصيرنا ومعالجتها، لكن البعض اعتقد أن ما كتبته ليس أكثر من هجوم موجه للذات، نوع من الانتحار أو طعنة في ظهر من أنتمي إليهم، وهذا تأويل خاطئ لما كتبته، إذ وحده المثقف لديه القدرة على مواجهة نفسه والاعتراف بأخطائه وتصحيحها، أما ما هو عكس ذلك فكرنفالات لا معنى لها.
من هو المثقف حسب المفاهيم العالمية المشتركة؟ أليس هو الشخص كثير الاطلاع، الذكي الذي يربط ما يراه بمحلل عقلي يشتغل في رأسه كل الوقت؟ قد يكون شاعرا لكن بكل تلك المكملات المذكورة، قد يكون كاتبا، أو مسرحيا، أو مهندسا أو طبيبا أو مدرسا، لكن بالمواصفات سابقة الذكر نفسها.
لا يمكن لمثقف ألا يملك مشروعا مستقبليا في رأسه، انطلاقا مما يعيشه من مشكلات، يستحيل أن يكتفي بقرض الشعر وفق بحور الخليل، ويحفظ ركاما من القصائد وهو خارج زمنه، يستحيل أيضا أن يكون المثقف ذاك الشخص المترفع على العامة، البالغ حالة من الاكتمال والكمال في نظره ما يغنيه مشاركة الآخرين حياتهم!
من يغامر في فيلم برمي نفسه في النار، وخوض المجازفات القاتلة؟ من يطير بدراجته ويسوق سيارة بسرعة جنونية؟ إنّه الشبيه وليس بطل الفيلم، في عالم الإعلام والثقافة لا تحتاج السلطة إلا لشبيه المثقف، يرمي بنفسه في النّار، يغامر من أجل ولي نعمته، وليطلق رصاصة على رأسه من يهتم؟ إنه مستعد لفعل أي شيء من أجل أخذ دور البطل، فيما البطل الحقيقي محال إلى التقاعد الأبدي.
هل هو واقعنا؟ هذا ما أراه، ولا أدري ما يراه غيري، فالأزمة المستمرة في توليد مزيد من الجهل، تجعل الأصابع تتوجه إلى «المثقف العربي» بدون تمييز، واتهامه بالفشل في رعاية مشروع ثقافي راقٍ يعكس ما يدعيه.
أين الحل إذن، ونحن نقف أمام نسخ عديدة منها الحقيقي ومنها المزيف ومنها القريب من الحقيقي، ومنها الجيد والسيئ، ومنها الحسن والفاسد، نسخ لا حصر لها من هذا المثقف غير واضح الملامح؟ تتكشف لنا هذه الأنواع بمتابعة خطابها، وتفكيك اللغة المستعملة لديها لتحديد علاقتها بالسلطة، بالمعارضة، بالشعوب وبالراهن المعيشي والثقافي والسياسي للمواطن البسيط. لهذا يجدر بنا إعطاء أهمية أكبر للمنتوج الفكري في الكواليس المعتمة، لا في مسارح الأعراس المزينة بالمصابيح الملونة وأغاني «الحنطور». إذ من المؤسف اليوم أن نرى مدى ما تعانيه الحالة الفكرية في الأوساط الفكرية نفسها ونتعامل مع الوضع بلامبالاة، إن المشكلة تلمسنا جميعا، ولكنّها تلمسنا نحن أكثر من غيرنا، لأننا نشعر بالمسؤولية تجاه ما يحدث، وفوق مشكلة إبعادنا عن دائرة صناع القرار، فإننا نعاني من التهم المباشرة التي توجه لنا كفئة فاشلة في استلام القيادة الفكرية، والنهوض بمجتمعاتنا، تماما كما نهضت مجتمعات أخرى بسبب حركات تنويرية قام بها رواد العقل والثقافة.
يبدو لي أن حلقة ما ضاعت منا، فالشعوب التي تطورت وتحضّرت، اعتمدت على مثقفيها للتأسيس لداخل مستقر ومتحضر، أما الشعوب التي لا تزال تسلم مصيرها لمن تعلموا «فك الخط» فلا داخلها بخير ولا حتى خارجها.
أمّا الواجهة الإعلامية التي ننتمي إليها، فلم تبق منها سوى منابر قليلة نتسمك بها بأظافرنا وأسناننا خوفا من أن تتعرّض لعارض ما ينهي حياتها وينهينا نحن أيضا.
أليس مخيفا أن تجلس أمام شاشتك في بيتك، ومن بين أكثر من خمسمئة قناة فضائية لا تجد ما تشاهده؟ أليس قاتلا أن تهرب لقنوات أونلاين فتجد نفسك في مواجهة عواصف من المعلومات المغلوطة، مواقع ركيكة، أفكارا شيطانية موجهة لزرع الرعب في نفسك، وتحويلك إلى شخص جبان، مهزوم فاشل وغير فاعل، أليست جريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد أن تتابع كل هذه الأمور تحدث أمامك وأنت في بيتك بدون عمل، تتابعها وأنت بكامل وعيك وطاقتك وذكائك وثقافتك الشاسعة وتجاربك وخبرتك وشهاداتك الجامعية العليا، ومسارك العلمي المشهود له بالنجاح، ومؤهلات أخرى، فيما أفشل زميل لك أيام الدراسة يقرر مصيرك سياسيا، هو نفسه الذي كان يختبئ في آخر الصف حتى لا يراه الأستاذ، وهو نفسه الذي نال أسوأ العلامات، وترك مقاعد الدراسة باكرا فأشفقت عليه! هو نفسه يشفق عليك اليوم ويعدك بتحسين معيشتك، وتغيير واقعك نحو الأفضل، هو نفسه محاط بحاشية تكاد تشبهك لكنها ليست أنت… ولعلّ الحلقة الضائعة تكمن هنا…إذ من صالح زميلك القديم أن تبقى في البيت ليتصرف بأريحية أكثر حيث هو.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

قد يعجبك ايضا