للذكرى فقط..
أخذ العمل في الشأن العام الوطني والسياسي من عمرنا سنوات طوال، كنا شباباً على مقاعد الدراسة في المراحل الثانوية وقبلها حين تفتحت قلوبنا وأذهاننا على حب الدولة وتقديس الوطن، خرجنا أفواجاً نتظاهر في الشوارع نهتف لحامي الدستور، ونمجد الوطن ضد من كان يهددنا آنذاك مثل عبدالكريم قاسم وصحبه، رفعنا أعلامنا نزهو بعروبتنا، ونرفع أسماء أبطالنا وشهدائنا العرب، تدرَّجنا في الجامعات، وتعاظم معنا الزهو بالوطن وتلاحمه، خاصة في الأزمات، بكينا جميعاً عندما استهدفت يد الغدر أميرنا الراحل الشيخ جابر الأحمد طيب الله ثراه، وحبسنا أنفاسنا، وطائرتنا الجابرية تختطف، وأصبحنا يداً واحدة ووطننا تخطفه اليد الصدامية، تألمنا جميعاً ونزفت قلوبنا ودموعنا مع نزيف دم شهداء مسجد الصادق، وهم يتعرضون للقتل بدم بارد وكانوا صياما وسجودا.
لم نشعر يوماً لا نحن ولا أبناؤنا بأننا نتميز عن الآخرين في هذا الوطن، ولا نفكر ولو للحظة أن هناك من تتقدم أولويته في نفوسنا على هذا الوطن العزيز، لذلك كان وما زال غضبنا عارماً ونحن نشاهد من ينادي وبازدياد بتقديم مصلحته، ويتحزَّب لمصلحة فئته أو طائفته أو قبيلته قبل مصلحة الوطن، كان هذا في السابق يجري في الخفاء، ولكنه اليوم يذاع في العلن تحت نظر العالم أجمع، وعلى رأس شهود طائر التويتر، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، نشاهد «صوتاً وصورة» كيف يجتمعون ليقسموا على كتاب الله (لا حول ولا قوة إلا بالله) بالانحياز لأبناء القبيلة وبتوزيع المناصب «أشْكَره»، كما ظهر في فيديو توزيع المناصب «لمجموعة في مجلس إدارة إحدى الجمعيات، وقبلها بالاحتفالات بفوز نواب بالمجلس البلدي أو الأمة».
لن تنتهي هذه الظاهرة، وهناك من يغذيها في الحكومة وفي مجلس الأمة، فقد شهدنا في السنوات الأخيرة بعض الوزراء يخصون أبناء الطائفة أو القبيلة دون غيرهم، مع إخلال تام بمبدأ تكافؤ الفرص، كما نرى بعض النواب بمجلس الأمة يتنادون نهاراً جهاراً بالقبيلة، ويسعون الى مصالحها قبل مصالح الوطن، إنها رِدَّةُ مؤلمة، ولا ندري إلى أي منزلق نحن متجهون، ولا نعلم، هل العلة تكمن في التعليم الذي أخفق في زرع الولاء للوطن في نفوس الناشئة، أم هي السياسة والمصالح (قاتلها الله) من جذرت مثل هذا السلوك، أم هو قصور الإعلام والتوعية، أو هي سياسة غض البصر والتساهل الحكومي عن ذلك بهدف تسيير الأمور (حزة حاضر) والمستقبل له الله، أم كل تلك الأسباب مجتمعة؟
دعوة مخلصة لإنقاذ الوضع قبل أن نتلاشى أو نصبح ذكرى فقط بأن نتصدى لهذه الظواهر الخطرة، وأن نعيد زرع ما علمونا إياه صغاراً بأن الدين لله وحده والولاء للوطن ولأميره، فلا ولاء إلا للكويت ولا شيخ أو أمير عندنا إلا أمير الكويت وشيخها، نتمنى له طول العمر والسداد، ولكويتنا الرفعة، والله الموفق.
د. موضي عبد العزيز الحمود
