عن الأزمة الفنزويلية الحادّة ونظرية «فك الإرتباط»

وسام سعادة

 

عندما توفي الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز في 5 آذار 2013، سارع المفكر سمير أمين إلى التأكيد بأن «تشافيز رحل، لكن الثورة البوليفارية مستمرّة». هذه الثورة التي أرادها تشافيز أن تنطلق بدءاً من عام 1999 من فوق، من أعلى هرم الدولة، ومن تحت، من اللجان الشعبية الثورية، شكّلت في الوقت عينه تعيّناً على أرض الواقع لما كتبه المفكر الماركسي المصري الفرانكوفوني مطوّلاً حول استراتيجية «فك الإرتباط» مع مراكز التحكّم الإمبريالي للنظام الرأسمالي العالمي، إذا ما أرادت بلدان العالم الثالث أن تتبع سبيل الإستقلال الوطني الشامل، اقتصاداً وسياسة وثقافة، مثلما شكّلت مثّلت التجربة الفنزويلية نوعاً من حقل تجارب بالنسبة إلى هذه الإستراتيجية ومحكاً لإعادة التفكير في مستلزماتها، ووسائلها، ودينامياتها، وعوائقها، والأوهام التي عليها أن تتخطاها.
والحال أنّه صعُبَ على الكثيرين الجمع بين المستويين، من رأى فيها تعيّناً أو محاكاة لإلحاحية «فك الإرتباط» مع مراكز التحكّم الإمبرياليّ للنظام والسوق الرأسماليين العالميين، ركّز اهتمامه على التداعي للتبشير والتمثّل بها كتجربة غاضاً الطرف عن مآزقها الداخلية والخارجية، ومن تنبّه أكثر إلى ما اعتور هذه التجربة منذ عقدين إلى اليوم من مثالب وعيوب ومبالغات ظلّت تتراكم وتستفحل مع الوقت، لم يستفد من كل هذا إلا الوعظ المكرّر بأنّ كل شعبوية ديماغوجيا، وكل ديماغوجيا محكومة بالفشل الذريع لأسلوب قيادتها. يمنعنا الموقفان من مقاربة هذه التجربة بالشكل النافع، أي بشكل يعيد وضع إستراتيجية «فك الإرتباط» على محكّها. فسمير أمين، طوّر فهمه لفك الإرتباط إنطلاقاً من تقييمه النقدي للنظرة التي حكمت القيادات التقدمية في العالم الثالث في مؤتمر باندونغ 1955. اعتبر ان ناصر وتيتو ونهرو وسوكارنو يومها أرادوا، من بعد انكفاء الإستعمار المباشر، الخروج من التبعية الإقتصادية والسياسية له، إنّما ضمن حدود تغذية الأوهام حول «الترابط» بين الأطراف، المستعمرات السابقة، والمراكز، المستعمرين السابقين، في حين أنّه كان يلزم انتهاج استراتيجية «فك الإرتباط». لأجل هذا، كان أكثر من مفهوم بالنسبة إلى شخص كسمير أمين أن يحتفي بالتجربة التشافيزية البوليفارية ما دامت اقتربت جدّاً من أسلوبه في التشخيص، ونادت بالديمقراطية الشعبية التشاركية والتوزيع العادل للمداخيل وانتهاج سياسة تكتيلية لشعوب أمريكا اللاتينية بوجه الإمبريالية الأمريكية الشمالية. مع هذا، قدّمت التجربة التشافيزية «البوليفارية» في عمقها، عناصر بنيوية مقوّضة بشكل مسبق لأي نسمة فك إرتباط. اعتمدت في المنحنى الإيجابي لفترة حكم تشافيز نفسه على عائدات الريع النفطي والغازي، من دون أي منحى تأسيسي لإقتصاد منتج، يستفيد من هذه العائدات لتجاوز الريعية نفسها.
بالعكس تماماً، جرى في ظل تشافيز تطوير النظام الصحي، والإسكان الإجتماعي، ومكافحة الفقر، وكانت حدود فك الإرتباط على الطريقة الفنزويلية هي تحكم البنك المركزي بنظام تثبيت الصرف مع الدولار، إنّما بشكل أدى سريعاً إلى التقييم الزائد للعملة الوطنية، ما ارتد بالنتيجة سلباً على القطاعات المنتجة، وجعل الإستيراد أقل كلفة من الإنتاج، ثم كوّن شريحة جديدة من الأوليغارشيين، اليساريين هذه المرة، يحصدون الأرباح الطائلة، من خلال تلاعبهم بكلفة الإستيراد، على ما شرحه أكثر من مرة رينو لامبير في «الموند ديبلوماتيك»، رغم حماسته وتأييده للخط التشافيزي بشكل عام. في مرحلة تراجع سعر برميل النفط بعد 2008، لم تعد الثروات الريعية كافية لتأمين فاتورة الإيرادات، المضخّمة بسبب نهب الأوليغارشية اليسارية الجديدة هذه، أو ما أخذ الفنزويليون يسموّنه «البوليبرجوازية» (في إشارة إلى الكنية «البوليفارية» للنظام والثورة وتسمية العملة الوطنية، التي تحيل كلها إلى سيمون بوليفار)، وهنا تضافرت كل عوامل محاصرة النظام: هذا النظام الواعد بإبداع إشتراكية من نوع جديد، دخل في دهاليز مديونية كان الظنّ أيديولوجياً أنّها من خصال «نيوليبراليي» العالم الثالث قبل سواهم، ومع فشل محاولات الحد من الإنفاق، والخلل الإضافي الذي أحدثه اعتماد معدّل مزدوج لصرف سعر الدولار بين الأغذية والأدوية وباقي المنتجات، ومع غياب تشافيز نفسه، واستشعار المعارضة بأنّ «التشافيزية من دون تشافيز» تعاني من فقدان للهالة الكاريزمية والحيوية التي كانت يشكّلها، ولقدرته على التوفيق بين الأجنحة المختلفة في نظامه، وفي تجربة «الحزب الاشتراكي الموحد» الذي أسسه. دخل النظام البوليفاري طور أزمته الواسعة بدءا من خسارته، لأول مرة، الأكثرية البرلمانية، في انتخابات 2015، وبدلاً من أن يرتضي (أو حتى يتحايل) خليفة تشافيز، نيكولاي مادورو على تداول السلطة، كما فعل الساندينيون في نيكاراغوا مطلع التسعينيات، حين خسروها بالصناديق، لكنهم برهنوا لاحقاً أن هيمنتهم على مفاصل الدولة كفيلة بإرجاعهم كقوة تحكم مزمنة بالبلد، فقد فضل المزيد من الهروب إلى الأمام، الردّ على شروع الأكثرية البرلمانية في عزله كرئيس من دون سند في الدستور لمثل هذا التدبير، بالتداعي لإنتخابات جمعية تأسيسية تسبّبت بزيادة عزلته خارجياً، وتنامي الوحدة في المعسكر الخصم داخلياً، وتزايد التشققات في معسكره.
عندما خلف مادورو تشافيز، كان الحد الادنى للاجور فيها 150 دولارا. هو الآن دولار واحد في الشهر. النظام الصحي الإجتماعي الذي كان أبرز مكتسبات عهد تشافيز، يناقضه اليوم انقطاع أبرز الأدوية عن فنزويلا.
ليس هناك أدنى شك أن كل قوى اليمين في أمريكا اللاتينية، مدعومة من واشنطن، قد عملت مطولاً على احباطها التجربة البوليفارية في فنزويلا. لكن المفارقة التي رأيناها الشهر الماضي ملفتة. في 4 آب يتهم مادورو عناصر معادية له بمحاولة اغتياله أثناء عرض عسكري، ويطلق حملة قمعية ضد معارضين سياسيين على هذا الأساس، ولا يلبث بعد ذلك ببضعة أيام بالمطالبة بأن يشارك «مكتب التحقيقات الفدرالي» الأمريكي في التحقيق بمحاولة الإغتيال.
منذ عقود طويلة والبلد ساحة لصراع طبقي حقيقي، بين برجوازية بيضاء، وطبقة وسطى بيضاء إلى جانبها، وبين الطبقات الشعبية، الخلاسية بأكثريتها، إنّما في بلد ليس أقل من أربعين بالمئة من سكانه يحتسبون بيضاً، في مقابل الخلاسيين، والأقليات من السود والسكان الأصليين. هذا الصراع الطبقي – الإثني أيضاً، نمت في ظلّه التجربة التشافيزية، لكن الحل الذي قدّمته مجموعة مكاسب توزيعية اقتصادية اجتماعية لمحدودي الدخل، في مقابل تفريخ شريحة أوليغارشية، تنتفخ من الريع النفطي ومن التحكم بالإستيراد، وليس لها مصلحة في الحالتين في أي مسار إنتاجي، ليتبين بالنتيجة، أنّه مثلما هرّبت البرجوازية البيضاء في فنزويلا رساميلها في نزيف حاد لقدرات البلاد، هرباً من تشافيز، ومن ثم لتقويض حكم مادورو، فإن هذه الأوليغارشية الحمراء سارت هي أيضاً على منوالها، وهرّبت رساميلها أيضاً للخارج. النتيجة: تراجعت الصناعة، التي في الأصل محدودة، وتراجعت أكثر منها الزراعة، ومع فائض مديونية وتضخم مريع، وارتفاع أسعار لم ينفع معها التحكم الدولتي بها، ونقص مواد طبية وغذائية أساسية، أخذت مئات الآلاف تهاجر البلد في حركة لجوء إقتصادي واسعة الى الدول المجاورة، ووسط تخبط نظام مادورو، الذي لم يجد ما يفعله حتى الآن، غير ابدال عملة «البوليفار القوي» بعملة جديدة «البوليفار السيادي». وجد نظامه مع ذلك الوقت، لتوجيه تحية الى سمير أمين، مشيداً بنظرية «فك الإرتباط»، مع أنّ التجربة كانت تبعية أكثر منها فك إرتباط، رغم الشعار، كونها معتمدة على الريع، وعلى الإستيراد بدل الإنتاج، وعلى قصورين سياسيين، الانعزال عن الديناميات الشعبية من بعد التأسيس عليها، والرعونة في التعامل مع المسائل الدستورية.

٭ كاتب لبناني

قد يعجبك ايضا