أي صورة ستبقى للجلبي؟
غيّب الموت د. أحمد الجلبي، الذي ووري الثرى في صحن الامام الكاظم في 6 من الشهر الجاري، وذلك بعد خمسة أيام من وفاته. وكما أثار الجلبي جدلاً في حياته، فقد أثار جدلاً في مماته. فعائلته شككت في سبب وفاته، خاصة أن الوفاة حصلت بعد تناوله العشاء في المنطقة الخضراء، بدعوة من وزير الأمن الوطني السابق قاسم داود. وكان التأخير في دفنه لأن العائلة استقدمت أطباء من أميركا وبريطانيا وإيران للكشف عن سبب وفاته. واختيار جنسيات الأطباء، يبدو وكأنه لوحة سريالية، تجمع بين حلفائه للأمس وحلفاء الحاضر. وكأن العائلة تريد مواجهة هؤلاء الحلفاء بتقارير طبية معتمدة من قبلهم. ولتاريخ الجلبي، ولكونه رئيس اللجنة المالية البرلمانية، أقيمت له جنازة رمزية في مجلس النواب العراقي، حيث حمل المشيعون نعشاً خالياً، في الوقت الذي كان جثمانه ينتظر فحص الأطباء الأميركان والبريطانيين والإيرانيين.
لم يكن الجلبي شخصية عادية، فوالده كان وزيراً ونائباً في العهد الملكي. وإلى وفاته لم يعش أحمد الجلبي في العراق إلا 24 عاماً، حيث غادرها عندما كان عمره 12 عاماً وعاد إليها مع قوات الغزو بحوالي الستين من العمر.
وقد درس الجلبي الرياضيات في جامعات مرموقة في الولايات المتحدة. ويذكر أن رسالته للدكتوراه كانت 15 صفحة فقط. وفي الرياضيات يعتبر ذلك تميزاً. ولعب الجلبي دوراً كبيراً في تأسيس «المؤتمر الوطني العراقي» في التسعينات من القرن الماضي. وكان له دور كبير، كما تردد اعلامياً، في تأليب الأميركان على غزو العراق بتزويدهم بمعلومات مزيفة عن أسلحة دمار شامل كان يمتلكها صدام. وكان مقرباً من تيار الصقور في الإدارة الأميركية المقربين من إسرائيل، أمثال بول وولفويتز وريتشارد بيرل ودوغلاس فيث. وقد وصلت المبالغات إلى الادعاء بأنه لولا أحمد الجلبي لما تم غزو العراق. لكن جيديون روز، محرر دورية فورين أفيرز، يرى انه لو لم يكن الجلبي لاخترعت الإدارة الأميركية آخر. فقرار الغزو كان قائما به أو بغيره.
عرفت عن أحمد الجلبي من خلال مقال طويل نشره في دورية «فورين بوليسي» في بداية التسعينات، الذي أظهر شمولية وثقافة عالية للكاتب. لذا بعد أن سمعت بزيارة له للكويت في تلك الفترة اتصلت به، وقابلته في فندق سفير، حيث تركز لقاؤنا على ما نشره في الدورية، وعلى مستقبل العلاقة الكويتية ـــ العراقية.
لكن لقاءنا شمل مواضيع أخرى في السياسة والفلسفة. وأذكر أنه اقترح عليّ أن أقرأ للملا صدر الدين الشيرازي، المتوفى عام 1050 هـ. فأخبرته أن لدي بعضاً من كتاب «الأسفار الأربعة» للشيرازي، لكن وجدته صعب الفهم. وقد أخبرني الجلبي أنه يعتبر الشيرازي بمنزلة هيغل. والمعروف أن الشيرازي حج إلى بيت الله الحرام في مكة سبع مرات، وتوفي بعد عودته من الحجة السابعة في البصرة. وأذكر أنه عندما انتهى لقاؤنا، كان المرحوم سهيل عبود من القبس ينتظر للقاء الجلبي.
وبالرغم من التعليم العلماني المميز للجلبي، فإن انتماءه الطائفي الشيعي هيمن على رؤيته. فكانت سياسة اجتثاث البعث التي تزعمها أداة لتهميش العراقيين السنة، التي ساهمت الى حد كبير في خلق التطرف السني، بما في ذلك «داعش». ويبدو أن ما حققه كان أقل من طموحاته. فرئاسة لجنة في البرلمان لا تعدو ان تكون تنازلاً منه. فالغربة، والإمكانات، والثقل العالي، جعلت منه أن يعتقد أن العراق موجود لكي يقوده. لكن الغربة والنخبوية جعلته يفاجأ بالعراق. وأن يرى رجال دين شيعة لم يتموا تعليمهم الثانوي أكثر تأثيراً منه. هذا، ولم يشفع تقربه من إيران، في توسيع قاعدته الشيعية.
ولا أعلم أن كانت جنازته الرمزية في البرلمان أو توريته الثرى في صحن الإمام الكاظم ستكون له صورة جديدة في الذاكرة.
نقلاً عن “القبس”
