الانسحاب الأمريكي من سوريا ضربة قاسية لإسرائيل
يتواصل تذبذب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بكامل شدته، فقد أعلن البيت الأبيض والبنتاغون يوم أول أمس الأربعاء، عن بدء انسحاب القوات الأمريكية من سوريا. وإذا كان هذا صحيحاً وسيحصل، فإنه ضربة قاسية للسياسة الإسرائيلية. لقد غرد الرئيس الأمريكي أمس فقال: «هزمنا داعش في سوريا، الذي هو السبب الوحيد لتواجدنا هناك في فترة رئاسة ترامب» (هكذا في الأصل، حيث غرد عن نفسه بالضمير الغائب). وتتعأرض هذه التغريدة مع تغريدة سابقة له، قبل نحو أسبوعين، كتب فيها أن السبب الوحيد لوجود الولايات المتحدة في سوريا هو «إسرائيل».
للولايات المتحدة اليوم بين 3 آلاف و 4 آلاف جندي في سوريا، معظمهم من القوات الخاصة، وهم يتركزون في منطقتين: في شمال شرق الدولة، في الجيب الكردي؛ وفي الجنوب الشرقي، في منطقة طنف، معبر الحدود مع العراق وعلى مسافة غير بعيدة من الحدود مع الأردن وإسرائيل.
لقد كان الدور الأساس للجنود الأمريكيين في السنة الأخيرة هو مساعدة الميليشيا الكردية وما تبقى من الجيش السوري الحر في الحرب ضد داعش. ولكن هذه المساعدة ساهمت أيضاً في تعزيز الجيش الكردي وكانت مغيظة لتركيا. فهي ترى في ميليشيا منظمة إرهابية وفرع لحزب العمال الكردي ـ التنظيم السري الذي أخرج في تركيا عن القانون والجيش التركي يقاتله في كل مكان.
لقد أعلنت تركيا قبل أسبوع بأنها ستبدأ حملة واسعة في سوريا ضد الميليشيات الكردية. وتحدث أردوغان هذا الأسبوع هاتفياً مع ترامب وحذره من أن التواجد الأمريكي من شأنه أن يؤدي إلى مواجهة مع جيشه. وإذا كان الاجتياح التركي بالفعل هو القشة التي قصمت ظهر البعير الأمريكي، فالحديث يدور عن استسلام من قوة عظمى لتهديدات من قوة عسكرية أدنى منها.
في أساسه، فإن ترامب هو في واقع الأمر مؤيد للسياسة الانعزالية. ففي حملته الانتخابية كرر ذلك مرات عديدة. فهو لا يريد أن تكون الولايات المتحدة شرطي العالم. ورغم ذلك، وفي ظل الالتواءات، أخذ في نهاية المطاف بموقف قادة الجيش ووزير الدفاع جيمس ماتس في أن على الولايات المتحدة أن تتواجد عسكرياً في سوريا وفي مناطق أخرى في الشرق الأوسط كي تبث نفوذها وكونها قوة عظمى. حتى اليوم.
لقد حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وزير الدفاع المستقيل افيغدور ليبرمان، ورئيس الأركان غادي آيزنكوت، ورئيس الموساد يوسي كوهن، المرة تلو الأخرى، إقناع نظرائهم بأن التواجد العسكري الأمريكي في سوريا حيوي، ليس فقط لمصالح الولايات المتحدة، بل وأيضاً لحلفائها في الشرق الأوسط، وأولاً وقبل كل شيء لإسرائيل.
إسرائيل معنية بتواجد جنود أمريكيين كي توازن النفوذ الروسي في سوريا وتشكل كادحاً لمساعي التوسع الإيراني والنوايا الإيرانية لنشر صواريخ وميليشيات شيعية على مقربة من الحدود مع إسرائيل ـ الخطوة التي صدت حالياً، بما في ذلك من خلال هجمات سلاح الجو في سوريا.
أما انسحاب القوات الأمريكية فهو خطوة مدوية لباقي حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط: السعودية، والأردن، واتحاد الامارات في الخليج، ومصر، وغيرها. معنى القرار هو أنه لا يمكن في واقع الأمر الاعتماد على الولايات المتحدة لتحميهم عند الحاجة.
كما أن هذه ضربة قاضية للأكراد الذين يشعرون مرة أخرى بأنهم خانوهم. فقد خاضوا معظم الحرب ضد داعش في السنة الأخيرة، بمساعدة هجمات جوية للتحالف الدولي، سفكوا دماء أبنائهم، والآن يجدون أنفسهم مرة أخرى وحدهم أمام تركيا ونظام الأسد.
ولكن فوق كل شيء، فإن الانسحاب الأمريكي هو انتصار للتصميم الإيراني للتمسك بسوريا وترك الساحة، ليس سوريا وحدها، لروسيا. في الشرق الأوسط يعمل قانون بسيط: كل فراغ تخلفه الولايات المتحدة تملأه روسيا. يحتمل ألا تكون قيلت الكلمة الأخيرة في هذا الشأن بعد والولايات المتحدة ستترك قوة صغيرة ورمزية في سوريا. ولكن مطالبة إسرائيل بانسحاب إيراني من سوريا تبدو الآن أبعد من أي وقت مضى.
يوسي ملمان
معاريف 20/12/2018