فورين أفيرز: استراتيجية ترامب العراقية غبية
وهج 24 : ناقش كل من مايكل وحيد حنا وثانسيس كامبنس استراتيجية دونالد ترامب في العراق وقالا إنها “غبية” لأن هذا البلد لم يعد ثكنة عسكرية ضد إيران.
وقال الباحثان في مؤسسة القرن الأمريكية في مقال نشراه بدورية “فورين أفيرز” إن القوات الأمريكية في طريقها لمغادرة سوريا فيما ستشهد أفغانستان تخفيضا في عدد القوات، وهناك إمكانية للخروج الكامل حالة استمرت محادثات السلام بين الولايات المتحدة وحركة طالبان.
لكن الرئيس دونالد ترامب حول في الثاني من شباط (فبراير) نظره نحو الساحة الثالثة وهي العراق.
وفي هذه المرة قال في مقابلة مع شبكة “سي بي سي” إن القوات الأمريكية ستبقى في العراق، لا لمكافحة تنظيم الدولة ولكن “لمراقبة إيران”. وأشار إلى أن القواعد العسكرية الأمريكية يمكن أن تكون بمثابة نقاط عسكرية لمراقبة طهران و “ما يتعلق بنشاطاتها النووية وغير ذلك”.
ويرى الكاتبان أن تعليقات ترامب “متهورة” وتعكس هوس ضال بإيران وتصور العراق على أنه ليس إلا بيدقا في سياسة الولايات المتحدة ضد إيران. وحذر الكاتبان أن خطابا كهذا سيسمم علاقة واشنطن وبغداد التي لا تزال واحدة من أعمدة التأثير الأمريكي في منطقة تنتشر فيها بشراكات عاجزة وذات آثار عكسية.
ويذكر الكاتبان بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وما تبعه من احتلال فتح الباب للقوى الإسلامية المتشددة والطائفية للنشاط وانتهزت إيران الفرصة لكي توسع تأثيرها. ويضيف الكاتبان أن المنطقة وبالضرورة العالم، تعاني من تداعيات الغزو. ورغم العلاقة الصعبة لا تزال القيادة العراقية مفتوحة للتعاون الأمريكي الدبلوماسي والأمني. وقام أحد الكاتبين بزيارة العراق في الفترة الماضية وتحدث مع القادة السياسيين الذين يمثلون الأطياف السياسية بمن فيهم نقاد السياسة الأمريكية في العراق. وعبر الكثير منهم عن أمله بمواصلة واشنطن دعم جهود الحكومة العراقية لتحسين الأمن وبناء مؤسسات الدولة. وتظل المساعدة الأمنية مهمة جدا، فلا دولة مثل أمريكا قادرة على تقديم صور فضائية دقيقة ترصد تحركات تنظيم الدولة وعودته من جديد. وبمساعدة أمريكية في مجال مكافحة الإرهاب وجمع المعلومات الإستخباراتية، يعتقد القادة العراقيين أن حكومة بلادهم قادر على هزيمة المتمردين وتستطيع في النهاية على تقوية مؤسساتها لحماية نفسها من تأثير الولايات المتحدة وإيران. فمنذ الإنسحاب الأمريكي عام 2011 وحكومة بغداد تحاول التحرك بحذر والحفاظ على علاقات صديقة مع كل من واشنطن وإيران وتجنب الإعتماد الكامل على أي منهما. وأخبر مسؤول عراقي الكاتبان في كانون الثاني (يناير) 2019 قائلا “لا نحب الوجود العسكري الأمريكي” و “لو انسحبوا فجأة فستملأ إيران الفراغ”. وحتى وقت قريب كانت معظم الطبقات السياسية العراقية بمن فيها التيار الصدري المعروف بخطابه المعادي للإحتلال الأمريكي متفقة على ربط خروج الولايات المتحدة بخروج كل القوى الأجنبية، أي إيران. ويمكن للصدريين وغيرهم الحفاظ على هذا الموقف البراغماتي في حال توقفت الولايات المتحدة عن منح انطباع أن العراق هو جزء من التحالف الأمريكي ضد إيران والمحور المؤيد لإسرائيل.
ويقول الكاتبان إن العراقيين المتعاطفين يرون ان هناك اهتمامات مشتركة محدودة مع الولايات المتحدة. ويقولون إن العراق بحاجة لقبول الدعم الذي تقدمه إيران التي قامت باستثمارات في الصناعات والبنية التحتية للسياحة. وتعد الشريك التجاري الرئيسي لبغداد في مجال المواد الغذائية والغاز الطبيعي. ولعبت طهران دورا في محاربة تنظيم الدولة من خلال تقديم الدعم الفني لوزارة الداخلية وإلى أجهزة المخابرات. ولهذا تخشى النخبة من تنفير إيران. وفي الوقت الذي يطالب فيه العراقيون سياسة ناعمة من الولايات المتحدة فيما يتعلق بإيران قدم ترامب العكس. وهو ما دعا الرئيس العراقي برهم صالح لوصف تصريحات الرئيس الأمريكي بـ “الغريبة”. ودعا الأمريكيين بعدم إثقال كاهل العراقيين بمشاكلهم. ودعا التيار الصدري لقرار في البرلمان يدعو لطرد القوات الأمريكية من العراق. أما الميليشيات التي سلحتها ومولتها إيران مثل عصائب الحق فقد قالت إنها مستعدة لحمل السلاح ومواجهة الأمريكيين. وحتى لو كان كلام المجموعة هذه مجرد تبجح معاد لأمريكا إلا أن التغير في النبرة مثير للقلق.
ويذكر الكاتبان بأهمية احترام سيادة البلدان من أجل الحفاظ على الشراكة الأمنية والعسكرية. فالعراق مستعد لاستقبال عدد من الأرصدة الأمريكية وحتى غض الطرف عن نشاطات التجسس التي لا علاقة لها بمحاربة تنظيم الدولة. وسيجد القادة العراقيون صعوبة في عمل هذا حالة ظلت الولايات المتحدة تتحدث عن بلدهم كقاعدة عسكرية لمراقبة إيران وحماية إسرائيل كما فعل ترامب.
ويرى الكاتبان أن الخطأ الكبير الذي يرتكبه الرئيس ترامب في الشرق الأوسط يثير الأسف، لأن استعداد العراق للتعاون المثمر والمفتوح في المجال الأمني والعسكري يميزها عن بقية شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بمن فيها مصر والسعودية.
ومع أنه ضعيف إلا أنه حليف قوي وحاجز ضد التأثير الإيراني. وتمثل وكالات الإستخبارات العراقية المتنافسة في هذا الإتجاه حيث تثق واشنطن ببعضها وتقدم لها الدعم فيما تثق إيران بالبعض الآخر. إلا أن ترامب ظهر في مقابلته مع “سي بي أس” أنه يدعو للعكس حيث قال إنه مع تخفيض التعاون وأن أمريكا يمكنها العودة في أي وقت. وهو بهذا يرتكب خطأ لأن الشراكات والبنى التحتية لا تبنى في ليلة وضحاها. وبعد الإنسحاب الأمريكي من العراق عام 2011 تراجع التعاون الأمني وهو ما سمح لمقاتلي تنظيم الدولة الإنتقال إلى سوريا. وكان العراق غير مهيأ لمواجهة الموجة الجديدة من الجهاديين. وبعد مرور العلاقة بدائرة من الإنفصال وما تبع ذلك من صدمة ثم تعاون جديد فالعراق والولايات المتحدة لديهما الكثير لخسارته لو انتهى التعاون. ويجب على القادة العراقيين تعلم الدرس أيضا حتى لو خدمهم الخطاب المعادي لأمريكا على صعيد السياسة المحلية. فقد كان العراق المكان الذي تم فيه تدمير النظام الإقليمي عام 2003 وهو بالضرورة المكان الذي يجب أن تتم منه معالجة ما بعد الهزات. فإعادة التوازن عبر الدبلوماسية وهي أفضل طريقة لاستخدام القوة الأمريكية بدلا من الضغط على الحلفاء العراقيين وإجبارهم على تحويل البلد إلى ساحة للمنافسة الأمريكية- الإيرانية. وتحتاج عملية التوازن إلى تحقيق الإستقرار على السياق المحلي وتقوية الأمن.
كما وتحتاج لإعادة العراق علاقاته مع جيرانه والتي انقطعت بعد غزو صدام حسين الكويت عام 1990.
ويعلق الكاتبان على أهمية العراق لمستقبل الشرق الأوسط لا لأنه نقطة ارتكاز في الكثير من العلاقات المهمة: بين الولايات المتحدة وإيران وبين إيران والعالم العربي ودول عربية أخرى. وقد تبنت دول الخليج بقيادة السعودية نهجا براغماتيا مع العراق. وأعادت السعودية علاقاتها مع العراق وفتحت معبرا حدوديا بين البلدين واتخذت خطوات باتجاه التعاون الأمني والإقتصادي في المستقبل. وهي خطوات متأخرة لكنها لم تتم ضمن إطار شامل. ويواجه العراق وضعا امنيا ملتهبا وفسادا مستشريا ومصاعب مزمنة لتوفير المواد الأساسية. فمشكلة توفر المياه الصحية أدت لتظاهرات واسعة في البصرة. ومن هنا يعول رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي على توفير الخدمات وهو هدف قدمه على تحقيق الوحدة السياسية في حكومته. وقال مستشار له “أمامنا عام لتنفيذ هذا وربما أقل” و “لو نوفر ما يكفي من الكهرباء بحلول الصيف، فقد انتهت اللعبة”. وفي ظل الأزمة التي تواجهها الحكومة فهناك فرصة ذهبية للولايات المتحدة كي تقدم دعما ملموسا للعراق. وعبر عبد المهدي عن استعداد للتعاون القريب مع الولايات المتحدة في مجال الطاقة والإستفادة من الخبرات الأمريكية في مجال النفط. وهناك مستشارون يعملون مع العراقيين بحثا عن وسائل لتوفير الطاقة لمحطات الطاقة اعتمادا على مصادر الغاز الطبيعي. وهناك مجالات أخرى تستعد الحكومة العراقية للتعاون فيها مثل إعادة تشكيل وزارة الدفاع. وقدمت واشنطن دعمها بثمن قليل، ولم يكن العراق قادرا على هزيمة تنظيم الدولة بدون دعم أمريكي. ولكن واشنطن لم تعتبر ما قدمته دينا طلبت مقابله تأثيرا سياسيا بعد ذلك. وبالمقابل حاولت إيران زيادة تأثيرها من خلال زيادة تأثير الميليشيات المؤيدة لها في النظام السياسي العراقي.
المصدر : القدس العربي