في مصر… هل ينحاز كورونا إلى طبقة الأثرياء ويتربص بمن دونهم؟
الملياردير المصري نجيب ساويرس، الذي تغطي أعماله أرجاء الكون، كان لديه في نهاية آذار ثلاثة اقتراحات حول كيفية المواجهة الاقتصادية مع وباء كورونا. الأول هو تقسيم العمال إلى مجموعتين؛ الأولى تعمل في الأيام الزوجية والأخرى في الأيام الفردية. والاقتراح الثاني هو نوم العمال في المصانع فلا يعودوا إلى بيوتهم، وبهذا الشكل يمنعون العدوى. أما الثالث فهو استيراد أجهزة فحص شخصية، يمكن للعمال بواسطتها فحص أنفسهم والبقاء في البيوت إذا ما اكتشف الفيروس لديهم. بالإجمال هو قرر أن 1 في المئة من إجمالي المصابين سيموتون بسبب المرض.
بقيت القيود التي فرضتها الحكومة على حركة العمال وأماكن العمل على حالها ولم ينتحر ساويرس حتى الآن.
اقتراحات ساويرس، وهو الرجل المصري الثاني من حيث الثراء، بثها التلفاز مباشرة، وأقسم من خلاله بأنه “سينتحر إذا استمرت القيود التي فرضتها الحكومة على حركة العمال وأماكن العمل بعد 8 نيسان”. بقيت القيود على حالها ولم ينتحر ساويرس حتى الآن. ولكن اقتراحاته أثارت عاصفة في أوساط نقابات العمال ومنظمات حقوق الإنسان. ملاحظات ساويرس هي تعبير عن الوجه الحقيقي للرأسمالية والجشع حتى على حساب حياة ملايين العمال، كُتب في بيان الحركة الاشتراكية المصرية. كاتب المقالات ونشيط حقوق الإنسان خالد منصور، اقترح على الحكومة فرض ضريبة خاصة تقدر بـ 10 في المئة على الذين يزيد رأسمالهم على 10 ملايين جنيه مصري، وتخصيصها للتعليم والصحة. وقال إن “عائلة ساويرس ومنصور هي عائلات ثرية جداً في مصر، ويمكنها وحدها أن تساهم بـ 25 مليار جنيه مصري”.
هذه الفكرة قد تروق للرئيس عبد الفتاح السيسي الذي حصل هذا الشهر على وجبة زائدة من الصلاحيات بواسطة مشروع قانون جديد يشمل، ضمن أمور أخرى، صلاحية فرض ضرائب جديدة وتأجيل دفع ضرائب ورسوم، ومنع التجمعات وتحديد أنظمة عمل وحجم المساعدة للمتضررين. كل هذا دون الحاجة إلى عملية تشريعية أخرى أو وضع قراراته للاعتراض التشريعي أو القضائي. كل ذلك بالطبع باسم مكافحة كورونا.
كجزء من رزمة الإعفاءات والمنح التي للمصابين بكورونا في مصر، قررت الحكومة قبل شهر اتخاذ عدة تسهيلات في دفع الضرائب وتأجيل تسديد الديون للمؤسسات الحكومية وتحويل منح بمبلغ 33 دولاراً شهرياً للطبقات الأضعف. ولكن هذه المنح لا يمكن أن تسد احتياجات أكثر من ثلث المواطنين في مصر الذين يعيشون على خط الفقر أو تحته. يمكن القراءة في وسائل الإعلام المصرية عن ضائقة سكان المناطق الريفية الذين يضطرون إلى السفر كل يوم إلى المدن لبيع بضائعهم الزراعية بدون وقاية وبدون التمكن من عزل أنفسهم في المواصلات العامة وبدون أجهزة صحية قد تقدم لهم العلاج المناسب في حالة إصابتهم بالعدوى. الاقتصاد الموازي هذا يعيل أكثر من نصف سكان مصر، وبدونه فإن ملايين الناس سيهبطون من الفقر إلى الفقر المدقع وحتى الجوع الشديد. وقد انضم إليهم في الأسابيع الأخيرة منذ تفشي المرض مئات آلاف المواطنين الذين فقدوا أماكن العمل، وتحديداً في السياحة وفروع الخدمات وأصحاب المشاريع الصغيرة الذين منعوا من فتح محلاتهم في المساء بسبب حظر التجول الذي فرضته الحكومة، وكذلك سائقو الحافلات والسيارات العمومية وآلاف المعلمين والمعلمات في المدارس ورياض الأطفال.
في المقابل، مصر هي الدولة العربية الوحيدة التي يتوقع لها صندوق النقد الدولي نمواً في سنة كورونا. في الحقيقة هذا ليس نمواً بأكثر من 5.5 في المئة الذي أملته الحكومة قبل تفشي كورونا، لكن حتى نمو بـ 2.8 في المئة هو أكثر مما يتوقع حتى في دول الخليج الثرية.
شركة تصنيف الاعتماد “ستاندرد آند فورس” أبقت تصنيف مصر على حاله في الفئة “ب” على أساس التقدير بأن الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت في 2016 ستساعدها على اجتياز أزمة كورونا بثبات نسبي. القلق في هذه الأثناء هو من مستوى احتياطي العملة الصعبة الذي هبط في آذار من 45.5 مليار دولار إلى 37 مليار دولار في أعقاب خروج كثيف للمستثمرين من البورصة في مصر. هذا المستوى، حسب تقدير “ستاندرد آند فورس”، يكفي لتمويل الاستيراد مدة 5 – 6 أشهر، ويضاف إلى ذلك النقص في تحويل الأموال من قبل العمال المصريين الذين يعملون في دول الخليج، وجمود السياحة التي تدخل نحو مليار دولار شهرياً وتقليص المداخيل من قناة السويس بسبب نقص التجارة الدولية.
ينتظرنا على الأبواب أيضاً خوف من سلوك الجمهور في شهر رمضان وخطر متوقع من التجمعات. قسم الفتاوى في مصر، الجسم الرسمي المسؤول عن تحديد التصرف الديني في الدولة، أمر بعدم إقامة الصلوات في المساجد وعدم التجمع في الأماكن المقدسة. هذه الفتوى الشرعية تقول أيضاً بأن من يخشى الصوم خوفاً من كورونا مسموح له الأكل، لأن “الله لا يرضى أن يطبق أحد أمره وهو خائف”. ولكن الرقابة في المناطق الريفية أكثر شدة، والعادات والتقاليد التي تشمل الزيارات العائلية أقوى من الأوامر واللوائح التاي صيغت في مكاتب القاهرة. هذه أيضاً هي المناطق التي تتدنى فيها الخدمات الصحية أكثر، فقد خلقت الاستثمارات في البنى التحتية الصحية خلال السنوات فجوة نوعية وكمية عميقة بين المناطق القروية والحضرية التي تجد فيها السلطات الصحية صعوبة في توفير الخدمات المطلوبة.
التوقعات الإيجابية نسبياً لمؤسسات دولية يتم عرضها بتفاخر في وسائل الإعلام المصرية، لكنها لا تصل إلى الطبقات المتوسطة والدنيا. التوقع هو أن مصر ستغير سلم أولوياتها وستوجه جزءاً أكبر من مداخيلها إلى فروع الخدمات، وبالأساس إلى الصحة والتعليم. مع الصلاحيات الجديدة للرئيس السيسي، يمكنه أن يقرر كل شيء بدون صعوبة.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس/ ذي ماركر 23/4/2020