“أم بي سي مصر”: لا صوت يعلو فوق صوت السعودية!

سليم عزوز ..

 

لم تكن مفاجأة أن تتعرض مؤسسات تابعة لسلطة العسكر في مصر لهزيمة على يد قناة “أم بي سي مصر”، فهذا أمر طبيعي، لأن العين لا تعلو على الحاجب، ولكن المفاجأة في حالة التعملق، التي ظهرت بها هذه المؤسسات في مواجهة القناة السعودية، ثم التراجع بهذا الشكل المخزي والتولي يوم الزحف؛ يوم التقى الجمعان!
“أصل الحكاية” أن الممثل رامز جلال، يقدم برنامج “مقالب” في كل رمضان، وعلى مدى عدة سنوات، وفي كل عام يحدث جلبة، ويطالب البعض بمحاكمته ووقف برنامجه، لأنه ينتمي إلى ما يمكن تسميته بـ “المقالب الوعرة”، التي تمثل مفاجأة لضيف كل حلقة، يمكن أن تتسبب لوعورتها في وفاته بالسكتة القلبية، وإن كان هناك من يقولون إن ضيوفه وهم من نجوم الفن، يتم جلبهم باتفاق معهم ليؤدوا أدواراً تمثيلية في الأصل، وقد أخبرني الناقد الرياضي علاء صادق، أنه شارك في البرنامج مرتين، ما جرى في الأولى كان مفاجأة له تماماً، أما الثانية فكان يعرف أنه في مواجهة “مقلب”، ليس لأن أحداً أبلغه بذلك، ولكن من باب التوقع، وإن كان هذا يقود إلى القول إنه ليس كل الفنانين المشاركين يكونون على علم بأنهم أمام “مقلب” وليس برنامج!
في هذا العام، وكما في كل عام، ازدادت حدة الهجوم على البرنامج، وهناك من هدد باللجوء إلى النائب العام لوقفه، إن لم يكن تم تقديم بلاغات بالفعل فيه، وعلى إثر هذا تحركت نقابة الإعلاميين وقررت وقف البرنامج، ليس لأسباب مرتبطة بالمحتوى، ولكن لأن مقدمه لم يحصل على الترخيص القانوني بمزاولة المهنة: “مقدم برامج”!
لعل مصر الدولة الوحيدة، التي توجد بها نقابتان في مجال العمل الصحافي، للتمييز بين الصحافة والإعلام، الأولى وهي النقابة العريقة “نقابة الصحافيين”، التي تأسست في أربعينيات القرن الماضي، والثانية وهي “نقابة الإعلاميين”، وقد تأسست منذ ثلاثة أعوام، لتلبي مطلباً قديماً بوجود كيان نقابي يضم من يعملون في مجال الإعلام المرئي والمسموع، لأن نقابة الصحافيين رفضت ضم من يعملون في اتحاد الإذاعة والتليفزيون قبل خطوة المحطات التليفزيونية الخاصة، لأن هذا سينتقل بالنقابة لتكون واحدة من القطاعات التي يديرها وزير الإعلام، لأنه حتما سيسيطر عليها من خلال الأغلبية التي تعمل في هذا المبنى الحكومي!

نقابة نجوى إبراهيم

وقبل ربع قرن وضع نقيب الصحافيين إبراهيم نافع مشروع قانون جديد للنقابة، التي تدار بقانون صدر سنة 1970، وقد وضع فيه نصاً يفيد بقيد من يعملون في مجال الإعلام المرئي والمسموع، وكان تبسيط الدعاية بالقول إن معنى هذا أن تصبح المذيعة نجوى إبراهيم نقيباً للصحافيين كافية لاحتشاد صحافي عارم ضد المشروع، لتأخذ الجمعية العمومية قراراً برفضه!
وإذ كان وزير الإعلام صفوت الشريف قد رغب في دخول العاملين في ماسبيرو لـ “نقابة الصحافيين”، فقد كان يرد على كل المطالب بتأسيس كيان نقابي لهم بالقول: “على جثتي”، وكانت هناك خطوات لتأسيس نقابة تحمل اسم الإذاعيين باءت بالفشل لعدم رغبة السلطة، ولأن أصحاب المشروعات النقابية كانوا مستقلين عن الدولة وأكثر انحيازاً للمهنة، ويتحدثون عن الحقوق وما إلى ذلك، وكان وزير الإعلام يدير المبنى، كما لو كان اقطاعية يملكها ولا يتحمل نقابة تتحدث عن “الحق والمستحق”!
إلى أن جاء أنس الفقي، وزيرا للإعلام وتحمس للفكرة، وبدأ في خطوات التأسيس على أن يكون النقيب المقرر لها هو “توفيق عكاشة”، وهو المشروع، الذي تصدينا له في هذه الزاوية، وقلت ساعتها كيف في بلد عرف إعلاميين كباراً هم من أسسوا القنوات التليفزيونية في الوطن العربي، أن ينحدر الحال ليكون النقيب الموصوف لهم من قبل وزير الإعلام (الاختيار الحر لحرم الرئيس) هو سمسار أراضي، دخل مجال الإعلام من باب المجاملات. وتم التراجع عن الفكرة!
وبعد الانقلاب العسكري، تأسست نقابة الإعلاميين، وأكد قانونها أن رئيس الحكومة هو من يعين النقيب والمجلس المؤقت، (بما يفرغها من معناها) على أن تجرى الانتخابات لاختيار النقيب بعد السنة الأولى وهو النص المعطل إلى الآن، وقد اشترط القانون أن المعين لا يترشح، وإذا كانت الحكومة اختارت الإعلامي حمدي الكنيسي نقيباً مؤقتاً، فقد استقال بعد فترة وجيزة لأنه قرر خوض الانتخابات على منصب النقيب، وتم تعيين مؤقت جديد، لم يسمع باسمه إنس ولا جان، لكنها خيارات الدولة العسكرية، التي تقوم على تقزيم كل المواقع واختيار قيادات لكل موقع من خارج الكادر، ليجعل من السيسي هو العملاق الوحيد ونجم السهرة وكل سهرة.
والحال كذلك، فلا أعتقد أن خطوة إيقاف برنامج رامز جلال تمت بقرار منفرد من “النقيب المختار”، إلا أن يكون الأمر تم بطلب من جهة في السلطة، لا سيما وأن المجال الذي يعمل فيه رامز جلال، يبدو بعيداً عن مفهوم “مقدم البرامج”، وينص القانون على أن كل من يعمل في مجال العمل التليفزيوني يتم قيده في النقابة، فيما يعرف في مصر بالعضوية الإلزامية، ولأن السلطة تنازلت عن اختصاصها بإصدار التراخيص بمزاولة المهن وأوكلت هذا للنقابة المختصة في كل مهنة، فقد اعتبرت النقابات اكتساب العضوية شرطاً لمزاولة المهنة، وهو الأمر الذي تعرضت له باستفاضة في دراستي للماجستير.

“أم بي سي” تتحدى!

وهنا تحدت قناة “أم بي سي” النقابة، وقالت إنها لن توقف برنامج رامز جلال، مع أن الوقف سيكون مؤقتاً لحين توفيق أوضاعه القانونية، وهذا أمر يمكن أن يتم خلال أسابيع. وقالت القناة إنها ليست قناة مصرية ليسري قرار نقابة الإعلاميين عليها، ويبدو أنه أسقط في يد الجهة، التي حرضت النقابة على هذا القرار، فأنا ممن يؤمنون أن النقيب المعين، لا يمكن أن يكون قد أقدم على هذه الخطوة من تلقاء نفسه؛ مجتهداً أو منفعلا!
لقد قام المجلس الأعلى للإعلام بمخاطبة هيئة الاستثمار، إن كانت قناة “أم بي سي مصر” حصلت على الترخيص القانوني في العمل في القاهرة، ليكون الرد صاعقاً، بأنها لم تحصل من الهيئة على الترخيص في العمل، كشركة سعودية، أو بالتأسيس القانوني كشركة مصرية!
وقد بلع الجميع ألسنتهم، أمام هذا الوضع المؤلم، فالقناة السعودية تعمل في القاهرة، بدون غطاء قانوني، وتعتبر وضعها هذا يجعلها فوق القوانين، فهي تنطلق في ممارستها غير مقيدة بقانون الدولة، التي تعمل بها، لأنها ليست – فقط – فقوق الدولة، ولكن لأنها كذلك فوق القانون!
فعمل القناة السعودية في مصر بدون التراخيص اللازمة، يلزم بإغلاقها فوراً، إلى حين تسوية أوضاعها القانونية، وليس فقط وقف برنامج رامز جلال، الذي قالت القناة إنه تم تسجيله رسمياً في دولة الإمارات وتم تصويره في مدينة دبي، كدفع قانوني للإفلات من نصوص قانون نقابة الإعلاميين المصريين، لكن هل هذا يغل يد المؤسسات المصرية عند الرقابة على المحتوى؟!
لقد أراد المجلس الأعلى للإعلام أن يبعد عنه المسؤولية، ويلقي بكرة اللهب على هيئة الاستثمار، التي ألقت بالكرة على رأس السلطة، فأظهرتها ضعيفة لا تستطيع أن “تصلب طولها”، فالقانون يجرم انطلاق أي قناة، أو موقع، أو صحيفة، بدون ترخيص قانوني، لكن من يقدر على “أم بي سي مصر”، التي تبدو بحكم الملكية أنها أكبر من السلطة، لأنها مملوكة لـ”بلاد الرز”!
لقد أوقفت السلطات في مصر بث قناة “الجزيرة مباشر مصر”، إبان حكم المجلس العسكري، بحجة أنها لا تملك ترخيص بالعمل في مصر، وانطلقت بحكم قضائي قال إنها حصلت على الموافقات القانونية اللازمة، وبعد الانقلاب العسكري جيء بالقاضي الذي أصدر الحكم في قناة تليفزيونية، ليقول إنه ندم على ذلك، وأن قرار اغلاقها الآن صحيح قانوناً، وكأنه كتب مقال رأي وليس حكماً قضائياً، وليس هذا هو الموضوع، فما أعنيه، أن الترخيص القانوني شرط للعمل في القاهرة للقنوات الأجنبية!
والمدهش أن القناة تأسست وبثت من القاهرة في عهد الرئيس محمد مرسي، وكانت فكرة الترخيص أيضاً قائمة، وقد حدثت مشكلة مع قناة “دريم”، لأنها لا تبث من مدينة الإنتاج الإعلامي بالمخالفة للقانون، فأين اختفى القانون في حالة القناة السعودية؟!
لقد برر “هيكل” للعدوان على “الجزيرة مباشر مصر”، بأنه لا توجد دولة تطلق قناة لتوجيه سياسة دولة أخرى، ومع أنه ينتمي لعهد أسس الإذاعات الموجهة، إلا أن اللافت هنا أن رأيه لم يكن عاماً ومجرداً، فهو موجه للقناة القطرية، ولم يقترب من رحاب القناة السعودية، ثم تكون الطامة الكبرى أن “أم بي سي مصر” تعمل بالمخالفة للقانون، وفوق القانون، فمن أين تستمد هذه القوة؟!
إنها السعودية، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المملكة، في العهود الثلاثة: عهد مبارك، وعهد مرسي، وعهد الجنرال!

ابتزاز القناة

ما علينا، فاللافت هنا أن المجلس الأعلى للإعلام تعامل أمام الرأي العام، على أنه ليس طرفاً وأنها مسؤولية هيئة الاستثمار، التي ألقت بكرة اللهب على رأس السلطة فأصابتها بتشوهات واضحة، لكن فات المجلس الأعلى أن “عقدة الأمر” صارت بيده، فلم تعد هيئة الاستثمار جهة اختصاص بمنح التراخيص أو سحبها، فهذا اختصاص آل اليه، لتصبح المسؤولية كاملة على مدينة الإنتاج الإعلامي التي يترأس مجلس إدارة وزير الدولة للإعلام أسامة هيكل، وهو المنصب الذي كان يتولاه منذ كان وزيراً للإعلام في عهد المجلس العسكري، ولم يستبعد منه حتى بعد تولي صلاح عبد المقصود منصب الوزير (خيبة ثقيلة بعيداً عنك)!
ويبدو أن الجهة إياها المحرضة على هذه الإجراءات، كانت تسعى لابتزاز القناة، بالدفع إلى مثل هذه القرارات، لأسباب تخصها، فأحرجت السلطة، لأن القناة أكبر من أن تبزها جهة من جهات الدولة المصرية، أو مؤسسة من مؤسساتها.
مكانك، إنها “أم بي سي مصر”، أيها الغبي!

صحافي من مصر

قد يعجبك ايضا