في ذكرى ثورة 23يوليو 1952
سامر أبو شندي …
يصادف اليوم الذكرى 68 لثورة 23 يوليو المصرية التي أعادت لمصر هويتها العربية، وكانت نصيرة للفقراء والفلاحين في مواجهة المد الإستعماري والإستغلال الأجنبي لموارد مصر، المناهضة لفساد القصر والحكم الذي تسبب في هزيمة العام 1948 أمام الكيان الصهيوني.,
وخارجيا كانت هذه الثورة بمثابة الظهير والمساند لثورة الجزائر ولكافة حركات التحرر العربية والإفريقية، وكذلك دول عدم الإنحياز، ويعد تأميم قناة السويس في عام 1956 ملهما لكافة الدول التي رزحت تحت نير الإستعمار و الإستغلال البغيض للدول الإستعمارية.
وأسوق هنا حادثة تدل على ديناميكية هذه الثورة وقدرتها على إعادة انتاج نفسها وتصحيح مسارها بسبب تمسك قيادتها بالأسس والمرتكزات التي قامت عليها الثورة.
بعد هزيمة العام 1967 أمعن العدو الإسرائيلي في محاولة النيل من المعنويات العربية فقرر استخراج النفط أمام أعين المصريين من خليج العقبة.
و قررت إسرائيل استيراد الحفار (( كانتينج )) لهذه الغاية، و بدأت المخابرات المصرية التي كان يرأسها الفريق أمين هويدي الذي تولى في نهايات العام 1967 وزارة الحربية و المخابرات بأمر من الرئيس الخالد جمال عبد الناصر لتصحيح المسار و إزالة آثار العدوان، بدأت برصد تحركات هذا الحفار من لحظة مغادرته السواحل الكندية الى لحظة وصوله إلى ميناء (( أبيدجان)) عاصمة (( ساحل العاج )) حيث كان مقررا تفجيره هناك و حول هذه الواقعة أذكر في المقابلة التي تمت مع الفريق أمين هويدي على قناة دريم المصرية في برنامج العاشرة مساء في عام 2008 أنه قال: أن عملية الحفار استغرقت عاما كاملا من جمع للمعلومات و رصد للحفار الذي أعطي الإسم الكودي (( الحج)) فكان عملاء المخابرات المصرية و ضباطها يشيرون له في مراسلاتهم التي تصل الى يد أمين هويدي شخصيا بعبارة الحج، و يفيد أمين هويدي بأنه و لدى وصول الحفار أو الحج الى ميناء أبيدجان رفع مذكرة من صفحة واحدة للرئيس جمال عبد الناصر يوصي بها أمين هويدي بتفجير الحفار في أبيدجان لرفع المعنويات العربية و لمنع العدو الإسرائيلي من استخراج البترول من خليج العقبة المحتل، فترجع المذكرة مذيلة بموافقة الرئيس جمال عبد الناصر لكن بشرط عدم تعرض الدولة المضيفة للحفار و هي ساحل العاج لأي أضرار.
و بالفعل تنقذ العملية في 8 مارس 1970 في أبيدجان و كان قائد العملية الميداني ثعلب المخابرات المصرية الضابط ((محمد نسيم)) الذي قاد العملية على أراضي أبيدجان، حيث كانت مصر في ذلك التاريخ متنبهة للدور الإسرائيلي في منابع النيل ، و للمخابرات المصرية تواجد لا يستهان به على الأراضي الأفريقية بالقرب من تلك المنابع.
بالطبع كانت هذه القضية ملهمة للروائي الشهير صاحب القصص البوليسية و المخابراتية الشيقة الكاتب و السيناريست صالح مرسي الذي رافقت شهرته بدايات الثورة و مثل القوة الناعمة لمصر و ثورتها، فألف روايته الموسومة بالحفار و صدرت طبعتها الأولى من دار الثقافة المصرية في عام 1985 الى جانب رواياته من ملفات المخابرات المصرية ((رأفت الهجان)) و ((البحار مندي)) و (( دموع في عيون وقحة)) و (( الصعود إلى الهاوية))..الى الهاوية))
أود الإشارة هنا الى أن رواياته قد تم تمثيلها إما في مسلسلات تلفزيونية أو أفلام سينمائية لتعظيم الفائدة منها.
ففي عام 1980 قدم مسلسل ((دموع في عيون وقحة)) من تأليفه وسيناريو وحواره.
وفي العام 1987 صدر الجزء الأول من مسلسل رأفت الهجان من تأليفه وسيناريو وحواره أيضا.
أما مسلسل ((الحفار)) الذي تم بثه لأول مرة في عام 1996 فهو من تأليف صالح مرسي و سيناريو و حوار السيناريست بشير الديك، فلم يحظ بالحفاوة و التغطية الإعلامية لأسباب لا أعرفها مع أنه لا يقل أهمية و جمالا عن المسلسلين السابقين.
ولا يخفى على أحد دور تلك الأعمال الفنية في بلورة الوعي العربي المتنبه لما يحاك حوله من مكائد العدو داخليا و خارجيا.
أما عن أهمية الأعمال الروائية التي تدمر نظرية (( الجيش الذي لا يقهر)) ضمن صراعنا غير المحدود و اللامتناهي مه العدو الإسرائيلي فأترك الحديث عنه للإذاعي المصري المخضرم السيد الغضبان مسؤول التنظيم الطليعي في الإذاعة المصرية و الذي كتب مقدمة الطبعة الأولى من رواية (( الحفار))، حيث يقول: (( و لتكن أحداث ( الحفار) و أحداث أخرى صنعها ( إنسان عربي) هي (البوصلة) الهادية التي يعرف بها الإنسان العربي طريق نضاله، لأنها تكشف له بموضوعية عن حقيقة العدو فلا ينسى للحظة أن ( هذا العدو) دائم التربص به- بكل عربي- و ليتزود من هذه الأحداث بزاد الثقة في قدرة الإنسان العربي على تحقيق النصر….)).
تتزامن أحداث جسام على الساحة العربية مع الذكرى 68 لثورة 23 يوليو ففي فلسطين يستعد العدو الإسرائيلي لخطة الضم للضفة الغربية وغور الأردن.
وعلى الساحة الأفريقية بالاستهداف المتعمد لجمهورية مصر العربية عبر سد النهضة.
لكن ستبقى ثورة 23 يوليو هي الملهمة و التي ممكن من خلالها استنباط الدروس و الحلول.
سامر أبو شندي
كاتب من الأردن