نظرة لِبضع ثوان ومشاعر سنين ..

مـجـدي الحـورانـي …

 

إنها حكاية تجللّت بالصمت بدأت مُنذ سنوات ذات صباح، حكاية واقعية كانت أشبه بفصل الشتاء الذي حدثت فِيه ..

سأحدثكم كَيْف تم هذا اللقاء وما دار من حِوار في لحظة تلاقي المُقل، إستوقفتنا الأقدار في مكان ولحظة ما ! لقد كانت في قمة البهاء والروعة، وإذ ذاك حدث أمر غريب زلزل أركاني، حين بدأت برفع ستائر الجفون، كَتكامل البدر، وكأنوار الشروق على أرض عطشى لأشعة الشمس .. لقد صوبت سهام طرفيها نحو عيني، كان وجهُها المُحمرّ يكتَسي خجلاً وأنوثة، لم تكُن تلك المصادفة عبثية بَل كانت قدراً مكتوبا كرواية ستُسرد لتغير الأيام والسنوات والحياة، ولترسُم لوحة بأجمل الألوان وبريشة فنان مُحترف، كان لقاء بدون حديث أو حتى سلام، فلم تنطق الألسنة أو تتحرك الشفاه، كان حواراً لعيون عاشقة بأحاسيس متبادلة، بدأ وإنتهى في لحظات سريعة قبل ان تنتبه حواسنا لِمَن حولنا، وكما عبر عنه أمير الشعراء حين قال :
وتعطلت لغة الكلام وخاطبت
عيـنيّ في لغـة الهـوى عيناكِ ..

وفي هذا الصمت دار بيننا الحوار التالي :
أنا : لماذا تنظرين لي هكذا يا سيدتي ؟ وماذا تريدين بهذه النظرة العميقة ؟
هي : ألا ترى ضعفي أمامك ؟
انا : أرى إعجاب المغرمين .. ولم أكن اعرف حكاية هذ الاشتياق!؟
هي : منذ سنين .. ألم يصلك إحساسي ؟
قلت : بلى .. ولكن كنت أتحوط من سوء ظني.
هي : منذ تلك المحاولة التي فشلت للجلوس بمفردنا واستحواذي عليك في ذلك اليَوم.
أنا : تذكرت تلك الليلة والوقت والمكان .. لكن عينيك الآن كأنهما تستنجدا بي وتريدان أن تقولا أشياء كثيرة.
قالت : أرجوك لا تتحاذق وتنكر إعجابي، وحاجتي لك وبعضًا من ماضيك ومستقبلك وأن أجد مكانا صغيرًا في خيالك وأن أحظى بثقتك.
أنا : لكني خائف ..
هي : ولماذا ؟ هل انت خائف مني؟
أنا : لا .. لست قادرًا علَى سحر عينيكِ .. فأنا مُنهك يا جميلتي ومُستنزف، وهذه بداية جديدة لي .. وموقف لا يتحمله قلبي الضعيف .. وأنتِ من يطمح الكثيرون بجمالك وإتزانك.
هي : لا أحد في قلبي سواك !! مرهقة بك منذ سنين وما زلت.
أنا : كنت أعلم ولطالما توقف تفكيري في ذَلِك، وأصدُقكِ القول بأني كنت بكِ من المعجبين.
هي : لا أريد منك شَيئاً سوى عينيك وأن تعرف حجم حبي، ثم أتركني وحيدة ولأخلو بنفسي وهذا يكفيني .
أنا : لكِ هذا، فأنا آمنت الآن بصدق حبك وهواكِ .. لكننا سنصاب بالتعب فقد أغوتني عيناكِ ولا مفر.

إنتهى حوار العيون عند هذا الحد في بضع ثوان وبعجالة، كان التواصل بصرياً حقيقيا بإمتياز ومن نوع غريب، فقد كان الكلام بيننا صريحًا ودافئاً، سِجال وجدل بالغرام الصامت الهادىء، مليء بالإحترام نقي المقاصِد، ولم يكن حديث إثم بشرائع الإنسانية أو خيانة للعلاقات الملائكية ..

وهنا افترقنا تحت إثر صدمة الواقعة المحمومة بتلك المشاعر، ومنذ تلك النظرة كانَ الإعتراف حاضرًا بالحب متواجدا بعنف وشغف، كانت نظرة بداية لعمر جديد وزمن مختلف ونقطة تحول في لهيب الصدور، في نسمات الهواء الداخلة لرئتينا، فاختلفت أشكال وألوان الحياة التي بدت كأجواء الربيع، بحدائق الورود وحقول الزهور، أركان القصور بخدمه والبخور ..

تواطؤ خيال مشاعرنا بصمت على الجلوس في مكان بعيد، ربما أمام البحر أو في ليالي السهر، تحت أضواء النجوم، بجانب القمر، نشاهد الكون ونحن نجلس على كرسي صغير أو أرجوحة ضيقة نتحدث بلهفة المشتاقين التي لا تذبل، كنّا نلتقي في المنام بِعِناق يدوم أياما، تأتي الرؤى ونحن بالأحضان، شفاه تتداول القُبل العذراء، ننام ونستيقظ معًا، نفكر في صدف اللقَاء، نكتب قصص الخيال ونتعانق طويلًا بين نصوصها وسطورها، نؤلف الأفلام بسناريو طويل لنبقى سوياً ..

منذ ذلك اللقاء جعلتنا السنوات كشخص واحد، وتحولنا من العدم للوجود، كانت لغة التخاطر بيننا واضحة ومفهومة، كنّا نستذكر لقاء العيون فتتحول العلل والمرض للعافية، وضنك الحياة الى الرغبة لمزيد منها، وأصبح الحال أقرب الى إعادة الروح لأجسامنا وخيالنا الواسع خوفا من فرارها، ملامحنا غدت أجمل وضحكاتنا بدت أصدق، أمست أجسامنا كمخلوقات أخرى غير مرئية كضباب أو دخان، ما بين واقع وافتراض، نقفز في الفضاء كروحانيين كالضوء في الفراغ، صدقوني هذا ما حدث، وما لم يحدث سيكون وسيظل هو الأجمل والأحلى هكذا تم الاتفاق منذ تلك النظرة ..

أحيانا تشتعل أعماقنا بالشوق وتضطرب هرمونات الجسد ويستعر الجوف بالنيران، يحاول كل منا أن يكسر حواجز الصمت وأن يبعث إشارة أو إمارة بلغة الكلام لكي يطفىء ذلك البركان والهذيان، لكننا ربما سنلتقي يوما ما وستصبح تلك الأفلام والروايات والآمال واقعًا، وإن لم نلتقِ ستبقى الأرواح مجتمعة كما كانت أو ستكون، نتبادل الحب العميق بلا لقاء ..

مـجـدي الحـورانـي ،،

قد يعجبك ايضا