أنياب الحصار و”كورونا” تمزق سكان قطاع غزة وتزيد من مأساتهم وفقرهم
وهج 24 : تجتمع عدة عوامل على سكان قطاع غزة الذين يعانون من ارتفاع نسب الفقر والبطالة بمعدلات عالية، فإلى جانب الحصار المشدد المفروض منذ 14 عاما، بدأت الموجة الثانية من فيروس “كورونا” منذ أكثر من عشرة أيام بمداهمة مناطق القطاع وأوقعت عشرات الإصابات، وسط توقعات بأن يشهد منحنى الإصابات تصاعدا كبيرا في الأيام المقبلة، في ظل تواضع الإمكانيات الطبية للتعامل مع الجائحة، وهو ما من شأنه أن يحول حياة السكان إلى جحيم.
وجاء تسلل الفيروس الخطير بعد سبعة أشهر صمدت فيها غزة أمام هذا المرض، بفعل إجراءات حازمة اتخذت مع جميع القادمين من الخارج، لتبقى حالات الفيروس التي اكتشفت خلال الفترة الماضية، موجودة في مراكز الحجر الصحي الإلزامي فقط.
وخلال الأعوام الماضية، أثّر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع الساحلي الضيق كثيرا على سكانه، حيث يحرم المواطنين من العيش بالطريقة الكريمة، خاصة وأن قرارات الحصار الإسرائيلي، رفعت من نسب الفقر لتصل لنتصل إلى نحو 70% ، وتجعل 80% من السكان يعتمدون على المساعدات الخارجية لتدبير أمور حياتهم، كما رفعت نسبة البطالة لأكثر من 52%، وهي نسبة كبيرة جدا، بسبب فرض الاحتلال قيودا مشددة على حركة التصدير والاستيراد من غزة.
وزاد الحصار على مدار الأسابيع الثلاثة من وطأته على السكان، بعد أن شرعت سلطات الاحتلال بفرض قيود مشددة على حركة المعبر التجاري الوحيد في قطاع غزة، والتي شملت منع إدخال الوقود ومن ضمنه المخصص لتشغيل محطة الكهرباء، التي توقفت كليا عن العمل، وأصبح التيار يصل يوميا للسكان لثلاث ساعات فقط، وقد ساهم ذلك إلى جانب وقف إدخال مواد البناء، في توقف الكثير من ورش العمل والبناء والصناعة، فيما لحق بها قطاع الصيد بعد أن فرض الاحتلال حظرا على نزول الصيادين إلى البحر، ضمن إجراءات “العقوبات الجماعية” على القطاع، وذلك قبل أن يعاد تخفيف تلك الاجراءات والعودة للإجراءات السابقة، بموجب وساطة تهدئة جديدة، غير أن اجتماع فيروس “كورونا”، مع اجراءات الحصار السابقة، قلصت كثيرا عدد العاملين.
فلا يزال منع التجول مفروضا من قبل الجهات المختصة في غزة، منذ اكتشاف أولى حالات الإصابة، ويقتصر العمل على بعض المراكز التجارية، في وقت أغلقت غالبية المصانع والورش أبوابها، كما تعطل أيضا قطاع المواصلات والسائقين، وهو ما حوّل أعداد كبيرة من العمال إلى البطالة، ورفع نسب المتعطلين، حيث تعاني الأسر التي يعمل أربابها في “المهن اليومية” من اشتداد الأزمة الاقتصادية، وتشتكي من عدم وجود أموال بحوزتها لصرفها على احتياجاتها الأساسية.
وقدر رئيس اتحاد العام في غزة سامي العمصي في تقرير جديد، تطرق إلى خسائر العمال جراء جائحة “كورونا” أعداد العمال المتضررين بنحو 160 ألف عامل بصورة مباشرة وغير مباشرة، كبدتهم خسائر بقيمة 27 مليون دولار، وقال إن طاقة وإنتاجية المصانع انخفضت بشكل كبير، فيعمل حاليا 100 مصنع فقط من أصل 2000 في قطاع غزة.
وبسبب ذلك كله ساءت الأوضاع الانسانية والاقتصادية في قطاع غزة، حيث لم يعد بمقدور المواطنين خاصة المتعطلين قسرا عن العمل، تحمّل التبعات الاقتصادية للحصار، والإجراءات الوقاية من فيروس “كورونا”، التي أثقلت كاهلهم في هذا الوقت، وهو ما يستدعي تدخلا من الجهات الدولية وبشكل عاجل لإنقاذهم من المأساة التي يعيشونها.
ويقول محمود وهو رجل في بداية الثلاثينيات من العمر، ويقطن أحد مخيمات وسط قطاع غزة، إنه فقد عمله اليومي على “بسطة” بيع الخضار منذ اليوم الأول للإعلان عن وصول فيروس “كورونا” إلى داخل غزة، وأن ما كان يوفره من أموال خلال فترة عمله، كانت تكفي فقط أسرته بشكل يومي، ويقول أيضا إن طول مدة الإغلاق سيزيد من وضع أسرته المكونة من خمسة أفراد سوءا.
وهناك أسر في غزة أوضاعها الاقتصادية أكثر سوءا، وهي أسر كبيرة العدد، تضم طلبة جامعات وأطفال، وتحتاج مصروفات يومية للطعام فقط، تفوق الذي يتوفر بين يديها، كما الحال الذي يعيشه المواطن أبو محمد صالح، الذي ينتظر كآلاف الأسر الأخرى، توزيع مساعدات المنحة القطرية العينية التي تقدم لـ100 ألف أسرة متعففة، بقيمة 100 دولار لكل واحدة، تساعدها في التغلب على الوضع الحالي، لكنه يقول إن ذلك سيكون حلا مؤقتا، وأن الوضع الحالي يحتاج إلى تدخل ودعم أكبر للأسر.
ويؤكد جمال الخضري رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار المفروض على قطاع غزة، أن الأوضاع الإنسانية في القطاع، غاية في الصعوبة، وأن الاحتلال يمارس “خرقاً فاضحاً” لكل القوانين الدولية بفرضه الحصار، ومنع وصول الاحتياجات الإنسانية للقطاع المحاصر منذ 14 عاماً.
ويؤكد مختصون اقتصاديون أن أوضاع سكان غزة الذين أنهكم الحصار الإسرائيلي، لن تمكنهم من الصمود أمام هذا الفيروس الفتاك، ولن يكونوا قادرين على تحمل تبعات القرارات الخاصة بالتعامل معه، إن لم تتوفر لهم مساعدات عاجلة تقدم من الخارج، خاصة وأن الجهات المختصة اضطرت لفرض حظر التجول الكامل، وتعطيل الأعمال، في إطار المساعي الرامية لمنع توسع رقعة الفيروس.
وإلى جانب مأساة الحصار وتشديده من قبل سلطات الاحتلال، وقع السكان في مأساة أكثر فتكا، تمثلت باكتشاف أولى الحالات المصابة بفيروس “كورونا” داخل القطاع، قبل 12 يوما، وذلك بعد معركة شرسة ضد المرض، صمد فيها القطاع غلى مدار الأشهر السبعة الماضية، فالأوضاع القائمة حاليا، تؤكد أن القطاع لن يستطيع الصمود في مواجهة هذا الوباء الخطير، فلا إمكانيات صحية متوفرة، ولا أدوية، في ظل العجر الكبير التي تعاني منه المشافي، ولا يتوفر أيضا مقومات اقتصادية تساعد السكان الذين يخضعون حاليا لحظر تجول شامل، في التأقلم مع الوضع، خاصة وأن الغالبية منهم يعتمدون على عملهم اليومي لتوفير قوت أبنائهم، بعد تعطل ما تبقى من أعمال لهم، بفعل إجراءات الطوارئ.
ويقول أشرف القدرة الناطق باسم وزارة الصحة، إن قطاع غزة عامة والقطاع الصحي خاصة يعاني من استمرار الحصار الإسرائيلي، لافتا إلى أن آثاره على الخدمات والمنظومة الصحية تؤدي لوجود عجز في تقديم الخدمة الكاملة.
وفي هذا السياق، فقد أشار مركز الميزان لحقوق الإنسان، عن الآثار الخطرة لاجتماع الوباء والحصار، وقال إن قوات الاحتلال تواصل “عقوباتها الجماعية” بحق السكان المدنيين وتشدد حصارها المتواصل، ويوضح المركز في تقرير أعده، أن سكان قطاع غزة يعانون من تدهور غير مسبوق في الخدمات الأساسية بسبب استمرار الحصار الإسرائيلي، لافتا إلى أن الأمر يجعل من تفشي “كورونا” خطرا قائما ويهدد بكارثة حقيقية.
وفي غزة أطلقت وزارة التنمية الاجتماعية نداءات استغاثة، لتوفير احتياجات الناس، وأكد الدكتور غازي حمد وكيل الوزارة، أن وزارته أطلقت نداء للمؤسسات الدولية وقدمت لهم احتياجات قطاع غزة في شكل مشروع مفصل، ويوضح حمد أنهم شرعوا في تجهيز قوائم بالمتضررين من الإجراءات، من سائقين وصيادين والعديد من العمال الذين توقفت أعمالهم، وقال إن الوزارة شرعت بتوزيع آلاف الطرود الغذائية، من عدة مؤسسات للسكان المتضررين، وبيّن أن هناك العديد من المؤسسات وعدت بتجهيز إغاثة عاجلة خلال الأيام القادمة، حيث ستعطي الأولوية للمناطق التي تغلق وكذلك الأسر الأكثر تضررا.
كذلك قامت العديد من الجهات الأخرى كوزارة الأوقاف، وبعض المؤسسات الخيرية والأهلية، بتقديم مساعدات عبارة عن كوبونات غذائية للعوائل الفقيرة، ضمن مساعي تخفيف وطأة المأساة.
لكن مجمل هذه المساعدات البسيطة، لن تفي بالغرض، ولن تداوي الجرح الغائر للغزيين، إن لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل سريع، لإلزام إسرائيل بإنهاء الحصار المفروض على السكان، خاصة وأن الأنباء في هذه الأوقات تنذر باحتمال التصعيد ووقوع مواجهة مسلحة، بسبب رفض إسرائيل التجاوب مع المطالب التي قدمها الوسطاء لإعادة الهدوء، والتي تطالب برفع الحصار المفروض منذ 14 عاما.
المصدر : القدس العربي