الأحزاب السياسية الأردنية … ضعفٌ في الأداء وعزوفٌ عن الانتساب

العميد المتقاعد/ باسم الحموري …

 

يلعب وجود الأحزاب السياسية دوراً كبيراً في تطوير الحياة الديمقراطية لأية دولة، وتعتبر الأحزاب أهم الركائز في تشكيل الحكومات البرلمانية، والمطلع على مجريات الأحداث في الأردن، يجد أن جلالة الملك عبد الله الثاني كثيراً ما تحدث في لقاءاته مع الشباب وطلاب الجامعات عن أهمية دورهم في النشاط الحزبي، كممارسة تعكس حصول تطوير في الحياة السياسية في المملكة، وتعكس أيضاً – بطبيعة الحال – تعزيز دورهم في تطوير الحياة الديمقراطية فيها. وقد كانت الورقة النقاشية الثالثة لجلالته دعت مختلف فئات المجتمع للانخراط في حوار ديمقراطي يُسهم في إيجاد بيئة حاضنة للفكر الحزبي في الأردن، يُبني على برامج سياسية واقتصادية واجتماعية ووطنية موجّهة لكافة شرائح المجتمع، تتبنى فكرة الأمن الوطني الشامل، وتُسهم في تنمية الديمقراطية، وتؤكد على احترام الرأي والرأي الآخر، مع الابتعاد عن الإقليمية والأفكار الضيقة والفئوية والجهوية.
وقد نشأت الأحزاب الأردنية مع نشأة الدولة الأردنية، ومرت بالكثير من التغيرات والتأثيرات والتي شملت التفعيل لنشاطها لفترة، والحظر لهذا النشاط لفترة أخرى، واستمر ذلك حتى صدور قانون الأحزاب الأردنية عام 1992، حيث رُخّص حينها 15 حزباً وفقاً لمبدأ “لا ديمقراطية بدون أحزاب سياسية”.
وبالرغم من أن عدد الأحزاب بلغ 49 حزباً سياسياً مرخصاً في وقتنا الحالي، إلا أن الحالة الحزبية بشكل عام في الأردن تعاني ضعفاً واضحاً لا يمكن تجاهله، جعل هذه الأحزاب غير فاعلة بالشكل المطلوب، وتحتل موقعاً بسيطاً في صنع القرار.
وتشير الدراسات والقراءات التي اهتمت بتحليل حالة الضعف هذه إلى عدد من الأسباب كان منها أن الغالبية العظمى من الأﺤﺯﺍﺏ في الأردن ﺼﻐﻴﺭﺓ ولا ﻗﻭﺍﻋد ﺠﻤﺎﻫﻴﺭﻴﺔ لها، ومقارها تقع داخل دوائر ﺍﺠﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﺠﻐﺭﺍﻓﻴﺔ ﻀﻴﻘﺔ، ﻭﻫﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺎﻟﺏ أﺤﺯﺍﺏُ أﺸﺨﺎﺹ ﻭﻟﻴﺴﺕ أﺤﺯﺍﺏ ﺒﺭﺍﻤﺞ ، وأحزابٌ ﺘﻌﺩُّﺩﻴﺔ ﺸﻜﻠﻴﺔ ﻭﻟﻴﺴﺕ ﺤﻘﻴﻘﻴﺔ، ولا خطابَ فكري لديها يمكن من خلاله إقناع الآخرين بعملها الحزبي والسياسي ما ﻴﺠﻌﻠﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻫﺎﻤﺵ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺴﻴﺎﺴﻴﺔ. وكثيرٌ من ممن يشكلون هذه الأحزاب هم من طبقةٍ خاصة أو من ذوي القواعد العشائرية، أو ممن تقلدوا مناصبَ سياسية سابقة في الدولة ويرغبون في المحافظة على مكتسباتهم السابقة. أما المنتسبون لهذه الأحزاب والعاملون فيها فيعاني غالبيتهم نقصاً في القدرة على العمل الحزبي، وحاجةً لتنمية وتدريب متخصصين. يؤثر ضعف الموارد المالية للأحزاب أيضاً في تكوينها ومدى التوسع في أنشطتها، بالإضافةً إلى كون ضعف التنسيق الفاعل ما بين هذه الأحزاب يُفقدها الكثير من ثباتها والأسس المتينة لضمان وجودها واستمراريتها، وفي هذا الصدد أشارت بعض المعلومات الإعلامية إلى تواجد 10 أحزاب أردنية في مقر واحد !! والسؤال الذي يطرح نفسه هو: بما أن مؤسسي هذه الأحزاب اتفقوا على أن يكون لديهم مقر واحد فلِمَ لم يتفقوا على أن يكون لديهم حزب واحد؟؟.
ويعزف الشباب عن الانضمام لهذه الأحزاب لعدة أسباب منها -على سبيل المثال – عدم وجود برامجَ حزبية دائمة تمثلهم، أو تعالج همومهم ومشاكلهم والقضايا التي تهمهم، ما يؤدي بالتالي إلى عدم وجود ثقه ما بينهم وبين هذه الأحزاب. هذا إلى جانب عدم السماح من قبل مؤسسي الحزب او أمانته للشباب المنتسبين له – في بعض الحالات – بطرح آرائهم بحرية واستقلالية، وذلك رفضاً لطرح أية أفكارٍ جديدة أو آراء معارضة لأفكار هذا الحزب، ويمكن في هذا الصدد الحديث عن فصل أعضاء بعض الأحزاب لمجرد قيام الدولة بإسناد مناصب قيادية لهم في مؤسساتها، ما يؤدي إلى مزيدٍ من زعزعة الثقة بتوجهات هذه الأحزاب. ومن الأسباب الأخرى للعزوف عن العمل الحزبي خوف الشباب أو غيرهم من الملاحقات الأمنية في حال انضمامهم لأي حزب، وهذا الخوف يمكن عزوه لما يتم سماعه من أشخاص آخرين قد يكونون مروا بمثل هذه الخبرة لأسباب يُفترض أنها مبرّرة للجهات الأمنية.
وفي النهاية، ستبقى الأحزاب السياسية في الأردن ضعيفة طالما استمر القائمون على إنشائها وإدارتها على ما هم عليه من ركود وعدم تطوير أو فاعلية في المجتمع، وأيضاً.. طالما لم تعمل هذه الأحزاب على تغيير نهجها في التعامل مع العمل الحزبي على أنه وسيلةً لإنفاذ الديمقراطية والسعي للاصلاح بكل أشكاله وحماية حريات وحقوق أفراد المجتمع، بدل استخدامه كمصدرٍ بديهي للظهور والوجاهة، وتحقيق المصالح الشخصية والأجندات الخاصة الضيقةً.

قد يعجبك ايضا