هآرتس: قرداحي يزداد شهرة وميقاتي حرجاً.. ولبن سلمان: لماذا لبنان دون ألمانيا وفرنسا وأمريكا؟

جورج قرداحي، وزير الإعلام اللبناني، هو الوزير الأكثر شهرة في حكومة لبنان الجديدة. في الأسبوع الماضي أصبح، لغير صالحه وفي صالح الحكومة، شخصية مشهورة دولياً. في آب الماضي، قبل بضعة أسابيع على تعيينه في هذا المنصب، قال قرداحي في مقابلة مع التلفزيون بأن “الحوثيين في اليمن يناضلون ضد العدوان الأجنبي الذي دمر بيوتهم وحياتهم… الحرب في اليمن عبثية”. وعندما نشرت المقابلة في الشبكات الاجتماعية كان يمكن في حينه شم رائحة الدخان الذي تصاعد من النار التي أشعلها.

ظهرت النار خلال يومين. السعودية والإمارات، شريكتا الحرب في اليمن، طردتا السفراء وأعادتا سفيريهما من لبنان، وبعد يوم انضمت إليهما البحرين. تبريرات قرداحي لم تساعده، وهو الآن يؤكد على عدم تدخل لبنان في النزاعات الإقليمية. كانت تصريحاته فرصة انتظرتها السعودية.

محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، الذي يستثمر مليارات الدولارات في تحسين صورته وصورة المملكة في العالم، قرر معاقبة لبنان والحكومة في الوقت الذي تشكلت فيه بعد أشهر من النقاشات والخلافات، واجتازت مواجهتها الأولى للأحداث العنيفة في الشوارع. أمر بن سلمان بوقف الاستيراد من لبنان ومنع السعوديين من زيارة لبنان. سبق أن فرضت السعودية عقوبات على لبنان في نيسان بعد أن كشفت المخابرات السعودية محاولة لتهريب ملايين حبات الإكستازي والمخدرات الأخرى التي تم إخفاؤها في إرساليات للفواكه. الآن، يجد لبنان نفسه في مكان قطر، التي فرضت عليها السعودية أيضاً مقاطعة وحصاراً في 2017، والتي تم رفعها في كانون الثاني الماضي.

قرداحي مسيحي ماروني عمره 71، دخل إلى الحكومة بعد مسيرة ناجحة في الإعلام. بدأ عمله الصحافي بداية السبعينيات مراسلاً في قناة “تلفزيون لبنان”، ومن هناك انتقل إلى راديو مونتي كارلو، حيث شغل منصب المحرر الرئيس. شهرته كمذيع ومقدم برامج معروف جداً في الشرق الأوسط، حصل عليها في العام 2000 عندما عرضت عليه قناة “ام.بي.سي” التي هي بملكية السعودية، تقديم النسخة العربية لبرنامج “من سيربح المليون”. كان هذا نجاحاً كبيراً، عشرات ملايين المشاهدين كانوا يجلسون أمام الشاشات وآلاف المرشحين من دول الشرق الأوسط قدموا ترشحهم، ووصلت الإعلانات والمداخيل إلى عنان السماء، وصاحب القناة الشيخ وليد الإبراهيم حول قرداحي إلى شخص ثري، والآن تقدر ثروته بعشرين مليون دولار تقريباً. بعد ذلك، قام قرداحي بتسويق عطر باسمه وعدد من البدلات الفاخرة للرجال.

في العام 2017 مكث الإبراهيم 83 يوماً في فندق “ريتس” في الرياض، إضافة إلى عشرات أصحاب المليارات والملايين الذين تم اعتقالهم بأمر من محمد بن سلمان، ولم يطلق سراحهم إلا بعد موافقتهم على التخلي عن مئات ملايين الدولارات. قرداحي، المذيع الذكي والمبتسم الذي يساعد المتنافسين ويظهر بعيداً عن السياسة، غادر قناة “ام.بي.سي” في 2016 بعد أن قال في برنامجه بأن هناك مؤامرة عربية ضد سوريا. لم تكن هذه المرة الوحيدة التي عبر فيها عن تعاطفه مع بشار الأسد. ففي العام 2011، في ذروة مذبحة النظام ضد أبناء شعبه، أثار قرداحي عاصفة عندما أطلق تصريحات مؤيدة للأسد. وفي 2018 في مقابلة مع قناة “المنار” التابعة لـ”حزب الله” سئل من هو -حسب رأيه- شخصية العام، اقترح ثلاثة أشخاص، الأسد وحسن نصر الله وفلادمير بوتين.

على خلفية الخلافات التي أثارها في تصريحاته، فمن غير الواضح لماذا قرر رئيس الحكومة الجديد، نجيب ميقاتي، تعيينه هو بالتحديد وزيراً للإعلام. ولكن لأن السياسة في لبنان تستند، حتى في أصعب أوقاتها، إلى العلاقات والميول السياسية، وبسبب الضغط على ميقاتي، المقرب من “حزب الله”، للإسراع في تشكيل حكومة متفق عليها، وجد قرداحي نفسه في وزارة مهمة. بعد تعيينه وبعد عودته من زيارة في دبي، أضاف الزيت إلى الشعلة في لبنان عندما طلب من محررين وأصحاب وسائل إعلام تجنب إجراء المقابلات مع أشخاص معروفين بمواقفهم المناهضة للحكومة. والسؤال هو: هل سيقرر ميقاتي، الذي تنصل من تصريحات وزير الإعلام في حكومته، إقالة قرداحي والخضوع لضغوط السعودية؟ أم سيتمسك بالخط الوطني الذي يقول إن لبنان غير مستعد ليكون خاضعاً للابتزاز. المعضلة ليست قيمية فقط. فمن المتوقع أن يكون لهذا القرار تداعيات سياسية واقتصادية. والخضوع لطلب السعودية سيدخل ميقاتي إلى قناة تصادم مع “حزب الله” وسيعرضه لانتقاد الجمهور؛ ورفض الطلب سيضر باقتصاد لبنان وسيجمد المساعدات التي وعدت بها الإمارات وعملية إعادة الإعمار بعد انفجار ميناء بيروت.

بالنسبة للسعودية، هذه محاولة أخرى لفرض إرادتها على لبنان. لم يتم نسيان القضية المخجلة في 2017 بعد، التي أجبر فيها بن سلمان رئيس الحكومة سعد الحريري على تقديم الاستقالة ومنعه من الخروج من السعودية بعد استدعائه لزيارة توبيخ. الضغط الدولي فعل فعله، والحريري عاد إلى لبنان، وسحب استقالته وواصل منصبه، والقضية أضيفت إلى قائمة إخفاقات بن سلمان. من المهم أن بن سلمان لم يحلم بإعادة السفراء من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا أو أن يطرد سفراء هذه الدول، رغم أن انتقادها للحرب في اليمن والمس بحقوق الإنسان في السعودية كان أقسى من انتقاد قرداحي.

بقلمتسفي برئيل

هآرتس 1/11/2021

قد يعجبك ايضا