نيويورك تايمز: مفاوض ترامب مع طالبان يتهم الرئيس الأفغاني السابق بإساءة التقدير ويدعو بايدن للتعامل مع حكام كابول

وهج 24 : نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده مايكل كرولي، قال فيه إن الدبلوماسي الأمريكي المخضرم زلماي خليل زاد هو “شخصية تراجيدية” يواجه نقدا في الولايات المتحدة وأفغانستان، رغم دفاعه المستميت عن الاتفاقية التي وقعها أثناء إدارة دونالد ترامب مع حركة طالبان. وقال كرولي إن الفشل في إنقاذ أفغانستان من طالبان يثقل كاهل الكثير من الجنرالات والدبلوماسيين ولكن ليس أكثر من خليل زاد. وهو مولود في أفغانستان وعمل في السياسة الأفغانية مع أربعة رؤساء أمريكيين قبل أن يستقيل الشهر الماضي.

وانتهت المعركة على أفغانستان الآن، لكن خليل زاد يخوض معركة أخرى للدفاع عن سمعته ضد الاتهامات التي توجه إليه بأنه المسؤول عن سقوط كابول بيد طالبان في آب/أغسطس.
وبدأ خليل زاد جولة علاقات عامة وعقد لقاءات عدة ناقش فيها إنه حاول جهده التوصل إلى اتفاقية سلام رغم تراجع التأثير الأمريكي على الحكومة الأمريكية المتصلبة. ويرى أن عمله لم ينته بعد ويقوم بالضغط على إدارة جو بايدن للعمل مع حركة طالبان، وهو أمر لا ترحب به الإدارة.

ويرى نقاده أن الاتفاقية التي وقعها مع طالبان لم تكن إلا وهما أو محاولة لخدمة الذات، أي تقديم الغطاء السياسي لتخلي أمريكا عن بلده الأصلي.
ونقلت الصحيفة ما كتبه على تويتر في 28 تشرين الأول/أكتوبر، نائب الرئيس الأفغاني، أمر الله صالح قوله إن خليل زاد “كان مهندس خطة خداع عظيمة” وقال إن خليل زاد تعامل مع أفغانستان كـ “كبش فداء” ولم يهتم بها إلا “ساعة الذبح”.
وفي مقابلة مع الدبلوماسي السابق في شقة ابنه بواشنطن رفض خليل زاد هذا النقد بصبر متردد. وقال “أحترم من يقولون: هذه حرب حاسمة للعالم الإسلامي بغض النظر عما كنا سننتصر فيها” حسنا، نعم وبالتأكيد هناك الكثير من الأشياء التي تمنيتها، لكنها لم تكن واقعية لأنهم لم يستطيعوا إقناع الرئيس والكونغرس والبقية”.
وقال “حاولت القول: حسنا، أمريكا تريد مغادرة الجيش، لكن دعونا نعمل الأمور الصحيحة لأفغانستان. فنظرا لكوني أفغاني الأصل، فقد كنت على صلة مع مشاعر الأفغان. وقبلت المهمة لكي أرى إن كنت قادرا على وقف الحرب لأفغانستان وشعبها”.

ريه وليس بناء على الشروط التي تمناها، وبدلا من الحكومة التي تخيل أنها ستقود البلد وتقيد حركة طالبان، فالأخيرة باتت تسيطر بالكامل على بلد يواجه انهيارا اقتصاديا ومجاعة. وقال إريك إلدمان، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي وعمل مع خليل زاد في إدارتي رونالد ريغان وجورج دبليو بوش “خرج زال (زلماي) من هذا كشخص تراجيدي”. وساعد إلدمان مع خليل زاد على دفع استراتيجية إدارة ريغان لدعم المجاهدين الأفغان في حربهم ضد السوفييت في الثمانينات من القرن الماضي. ثم دعما التحالف الشمالي الذي قاتل طالبان أثناء الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001. وقال إلدمان إن خليل زاد “عمل الكثير لبناء دولة حديثة فيما بعد طالبان” وأن “يصبح جزءا في انهيارها لا أعرف كيف ستصف هذا غير أنه مأساة”.

وكان خليل زاد خارج الخدمة الحكومية عام 2016 ولعدة سنوات عندما قدم دونالد ترامب لإلقاء خطاب في السياسة الخارجية بمعهد ينتمي إليه، وهو جمهوري طوال حياته لكنه لم يدعم ترامب نظرا لمواقفه الاستفزازية، لكن التقديم لفت انتباه ترامب له.

وفي عام 2018 أخبر خليل زاد إدارة ترامب أن ممثلي طالبان مهتمون بالتفاوض. وفي أيلول/سبتمبر 2018 عينه وزير الخارجية مايك بومبيو مبعوثا خاصا لمهمة واحدة “تطوير فرص لدفع الأفغان وحركة طالبان نحو المصالحة”. ومن الناحية العملية فقد كانت المهمة تركز على شروط الانسحاب الأمريكي، وبعد أشهر من اللقاءات ومئات الساعات من المناقشات في العاصمة القطرية الدوحة تم الاتفاق في شباط/فبراير 2020 على انسحاب أمريكا بوعد ألا تستهدفها حركة طالبان وألا تمنح الحماية لجماعات إرهابية. وشملت الاتفاقية على وعد من طالبان ببدء محادثات مع الحكومة التي تدعمها أمريكا في كابول وبحسب توجيهات بومبيو. لكن الحكومة في كابول كانت مترددة ولم تكن طالبان راغبة بالتنازل عن هدفها إنشاء إمارة إسلامية. ويقول نقاد خليل زاد إنه تفاوض على خروج القوات الأمريكية الآمن وليس أزيد. وتقول ليزا كيرتس التي عملت مع خليل زاد في مجلس الأمن القومي وكمديرة لمكتب جنوب ووسط آسيا ” أعتقد أن خليل زاد كان مستعدا للتنازل لطالبان ورمي الحكومة الأفغانية تحت الحافلة”. و “كان واضحا للكثير من الناس أن طالبان ليست مهتمة بالعملية السلمية أكثر من مواصلة العمل العسكري إلى السلطة”. ويقول أنصار الدبلوماسي السابق إنه كلف بمهمة مستحيلة عندما انضم إلى إدارة ترامب. ويعلق إلدمان “كنت ناقدا لاتفاقية شباط/فبراير 2020 التي تفاوض عليها” و “لكنني أقول في الدفاع عنه: لقد قصقص ترامب أجنحتها. ما هي أوراق النفوذ التي يملكها في وقت ظل الرئيس يقول: سنخرج من جحيم أفغانستان”.
وفي الوقت الذي يدافع فيه خليل زاد عن الاتفاقية إلا أنه يناقش أن الولايات المتحدة فقدت الإرادة للقتال في أفغانستان بسبب فشل “زملائي العسكريين السابقين”. وقالت كيرتس إن خليل زاد علق المفاوضات مع طالبان عندما هاجمت قاعدة باغرام الجوية الذي قتل فيه اثنان وجرح 73 شخصا- ليس من بينهم أمريكيين- ولكنه عاود التفاوض بشكل “أعطى صورة عن ضعف أمريكا وأنها يائسة”. وتحسرت على قبوله طلب طالبان وهو إفراج الحكومة الأفغانية عن 5.000 من معتقليها، معظمهم من المقاتلين المجربين، مقابل إفراجها عن 1.000 سجين.

ودافع خليل زاد عن تبادل الأسرى بأنه عملية بناء ثقة أثناء المفاوضات. ولا يلوم مستشار الأمن السابق لترامب، جون بولتون خليل زاد، رغم انتقاده الشديد للإدارة. وقال “قلقت من التنازلات التي قدمها خليل زاد ليس لأنه مفاوض سيء ولكن بسبب تعليمات بومبيو”، كما كتب في مذكراته عام 2020. وذكر بولتون في نفس المذكرات ما قاله ترامب عن خليل زاد في لقاء مسؤولين بارزين “سمعت أنه دجال ولكنك تحتاج دجالا لهذا”.
ولا يعرف ما عنى ترامب بكلامه، لكن خليل زاد كان محلا للشكوى حول تربحه وقفزه من القطاع الحكومي إلى الخاص. وشكوى حول سلوكه في العمل. فعندما سيطرت طالبان على السلطة لأول مرة عام 1996 كان خليل زاد مستشارا لشركة “يونيكول” التي كانت تبحث خطط بناء خط أنابيب نفط عبر أفغانستان. وكتب في ذلك الوقت أن الحركة لا تمارس خطابا معاديا لأمريكا وأصوليا كالذي تمارسه الجمهورية الإسلامية في إيران، ودعا للدعم الأمريكي الذي يقول النقاد إنه ربما نفع خط أنابيب النفط.
وبعد مغادرته إدارة جورج دبليو بوش حيث عمل سفيرا في العراق، أصبح ممثلا لمجلس الاستثمار في منطقة الحكم الذاتي بشمال العراق. ثم أصبح عضوا في مجلس شركة استثمار للنفط والغاز في منطقة الخليج بمصالح في كردستان. وكان خليل زاد محلا للتحقيق في وزارة الخارجية فيما يتعلق بسلوكه العملي أثناء إدارة بوش. وتوصل التحقيق إلى أن خليل زاد تصرف بطريقة غير مناسبة لكنه لم يوص بإجراءات ضده. ونفى خليل ارتكاب خطأ، وأن إدارة ترامب قامت بنفس التحقيق ووجدت أن الاتهامات ليست ذات قيمة. وقال إن التحقيق الأخير تم تجهيزه تحت إدارة أنتوني بلينكن “بدون أن تتاح لي فرصة لتقديم موقفي الكامل”. ورفضت الوزارة التعليق على كلام خليل زاد وكذا رفض مكتب الحريات المدنية في الوزارة الذي حقق في الدبلوماسي السابق مناقشة القضية.

وفي شباط/فبراير 2020 وقع خليل زاد على اتفاق من 4 صفحات تعهد فيه بخروج القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول أيار/مايو المقبل. وقال جالسا إلى جانب ممثل حركة طالبان عبد الغني برادار “اليوم هو يوم الأمل”. وفي الأشهر التي تبعت الاتفاق بدأت الولايات المتحدة بتخفيض قواتها. وبعد فوز جوزيف بايدن طلب منه بلينكن البقاء في منصبه “تقديرا لجهوده المتميزة” وضرورة “الاستمرارية”حسبما قالت وزارة الخارجية في حينه. وفي نيسان/أبريل أعلن بايدن أنه سيفي بتعهد ترامب ويكمل الانسحاب بحلول أيلول/سبتمبر، لكن خليل زاد قال إن “بلينكن وأنا والبقية كانوا يفضلون مدخلا مشروطا، كما أعتقد”.
وواصل خليل زاد جهوده لتحقيق تسوية سياسية حيث طالبت طالبان باستقالة أشرف غني، كخطوة نحو حكومة انتقالية. وقد ضغط خليل زاد عليه للتنازل. ويتذكر قوله له لغني “هذه خطوة تاريخية لك” و “تخيل، 40 عاما من الحرب وملايين القتلى والجرحى، وفي عهدك أنت تخلصت أفغانستان من هذا الكابوس”. ورفض غني، حيث يقول النقاد إن ضغوط خليل زاد أضعفته ومنحت طالبان الشرعية.

ويعرف الرجلان بعضهما منذ 60 عاما، وكانا أصدقاء طفولة حيث يتذكر أن والدته كان حريصة على حماية صديقه الصغير الحجم وتريد التأكد من أن أقرانه لا يضربونه. وظلا صديقين بعدما انتقلا للدراسة في أمريكا، لكنها تأثرت بخياراتهما الأيديولوجية والسياسية. ونفى خليل زاد ممارسة الضغط على صديقه، لكنه يرى أن غني أساء تقدير تأثيره وفشل في فهم أن أمريكا ستغادر. ومع اقتراب طالبان من كابول، فر غني وانهارت حكومته وانتهت الحرب. وبقي خليل زاد لعدة أسابيع وساعد في عمليات الإجلاء وضغط على طالبان لتشكيل حكومة تحترم حقوق الإنسان. وقدم استقالته في 18 تشرين الأول/أكتوبر حيث دخلت العلاقة الأمريكية مع أفغانستان مرحلة جديدة، وهو مفيد فيها كصوت مستقل- وبالتحديد إقناع أمريكا بالعمل مع طالبان ومنع انهيار أفغانستان نحو الفوضى التي ستقود إلى موجة لجوء جديدة وإرهاب. وعندما سئل إن كان سيعود إلى بلده الأصلي أجاب “قطعا” لأن “المعركة على أفغانستان مستمرة”.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا