إيشارب
كنت أستمع لحديث الكوميديانة متعددة المواهب الفلسطينية الجميلة ميسون زايد على Ted Talk حيث تحدثت عن مصاعب حياتها المتعددة بطريقة كوميدية رائعة، والتي تشكل إعاقتها المتمثلة في الشلل الرعاش أو palsy جزءا بسيطا منها. بخلاف روعة الفكرة التي طرحتها ببساطة وبنكهة فكاهية رائعة. ما جذبني في حديثها هي تلك الجزئية عن وسائل التواصل الاجتماعي.
تقول ميسون ما معناه إنها تحمد الله أنها لم تكبر مع وسائل التواصل الاجتماعي، فلو أنها فعلت، لما كانت بالقوة التي هي عليها الآن ولما حققت ما حققته اليوم. وسائل التواصل كانت لتبقيها، وهذا ما فهمته من حديثها، أسيرة إعاقتها وذلك بسبب القسوة الفاضحة والنقد اللاذع الغير مبرر المنتشر على هذه الوسائل والذي من شأنه أن يحطم نفسية أي إنسان.
تقول ميسون إنها تعلمت في إحدى مقابلاتها «أن البشر على الانترنت هم scumbags» أو ما معناه أنهم لاذعون حقراء في التعامل، مع الاعتــــذار عن التعبير.
تؤكد ميسون أن الأطفال لم يضحكوا منها في طفولتها ولم يؤذوها إلا أن إعاقتها أصبحت متاحة للجميع على شبكة الانترنت العالمية لتصبح مادة متداولة للسخرية منها وحتى تحقيرها.
ولقد كنت قد قرأت ذات زمن مقالا لكاتب انجليزي لم أعد أذكره يتحدث فيه عن الطيبة وحسن الحوار على أنهما آداب ضائعة، مشيراً إلى أننا فقدنا أسلوبا مهما في تعاملنا اليومي ذا فائدة كبيرة حتى في تحقيق مصالحنا الذاتية. لقد أصبحت القسوة واللاذع من الكلام هما «ستايل» هذه الأيام، أصبح التعليق الحارق اللاذع الشاتم على شبكات التواصل أو الصفحات الالكترونية هو ضرب من ضروب الشجاعة الفروسية، شجاعة بلا فارس وفروسية بلا حصان. ولأن الشاشة، سواء كانت شاشة كمبيوتر أو تلفون أو آي باد أو غيرها من الأجهزة، أصبحت عازلا للحماية، حاجزا هلاميا يفصلك عن البشر الآخرين، فقد تغيرت في الفترة الأخيرة أساليب التعامل والحوار، أصبحت هذه الأساليب جافة بجفاف الجهاز المستخدم، باردة ببرودة المراوح الصغيرة التي تسكنه، لاذعة وحارقة وقاسية بقسوة الحديد والصلب المصنوع منهما.
غيرت حياتنا الالكترونية من طبيعتنا البشرية، وسلبنا التواصل من خلف شاشاتنا الزجاجية أول وأهم مبادئ التعامل والحوار.
فواقع الحال يقول إن معظم هؤلاء البشر يتعاملون ويتخاطبون بشكل مختلف في حياتهم العادية، إلا أنهم وفجأة، يلبسون دروعهم ويشحذون سيوفهم ويتحولون إلى وحوش لاذعة ما أن يختبئوا خلف شاشاتهم، وكأن كل نواقص الحياة، كل الآلام، كل المعاناة، يمكن تنفيسها في البشر الآخرين الساكنين في الشبكة الالكترونية، فطالما أنني لا أستطيع أن أراهم، فهم ليسوا ببشر حقيقيين، لا أستطيع أن أستشعر الألم الذي أتسببه في حديثي معهم، لن أحتاج للتعامل مع آثار قسوتي وسلاطة لساني وسوء أدبي تجاههم، كل هذه تدفنها الشاشة الالكترونية والتي في الوقت ذاته تحميني من رؤية نتاج كلماتي وألفاظي. سحرية هذه الشاشة، بكل تأكيد.
لربما أنا أنتمي في تفكيري لجيل سابق، سيدة في منتصف أربعينياتها، لا أزال أشتاق لجميل الحوار وأؤمن بنتائجه الرائعة.
لا تزال الكلمات الجميلة والنقد المتأدب من ضروريات الحياة، كما الإيشارب الرقيق يلتف حول الرقبة ليقي من البرد ببساطة وأناقة.
لازلت أستشعر ما قد تسببه كلماتي من ألم، يمكنني أن أتخيل وجودا بشريا حقيقيا خلف كل كلمة الكترونية، خلف كل صورة أو تعليق. ترى هل سبقني الزمان بقسوته وآلامه حتى لم يعد هناك وقت أو صبر حتى للف إيشارب الأدب والذوق حول الفكرة الباردة؟ لقد كشفت وسائل التواصل الكثير عن النفس البشرية كما وأنها عرت نفوس الكثير من المستخدمين لها، أشخاص لا نعرفهم تحولوا إلى أعداء، أصدقاء وأحبة تحولوا إلى وحوش كلامية ضارية، عقول نيرة انطفأت، ضمائر حية ماتت، علاقات نحفظها منذ زمن بعيد أو قريب تهدمت.
لقد خلقت هذه الشاشة الالكترونية وهم العزلة والحماية، وضعت مسافات بين الناس ووفرت لهم الحماية من المواجهة المباشرة، فانطلقت أسوأ جوانب النفس البشرية من قمقمها، متحررة من مشاعر الخجل ومن ضغوط المواجهة، لتخرج كل مكنونها على شاشات الآخرين. ننسى نحن كثيراً أن شاشات الآخرين يستقر خلفها بشر آخرون، بشر بحيوات وأرواح، بمعاناة وآلام، بأفراح وأتراح، بشر لربما تحطمهم كلمة وتقضي على ما تبقى من أمانهم النفسي.
لقد ماتت الكثير من الأشياء في حياتنا، الا أن أسوأها لربما هو موت تأدب التواصل وحسن الخطاب. فقد أصبحت هذه كلها من ضروب «الكليشيه»، أساليب تعامل قديمة يُسخر منها الآن. كان الشجاع سابقاً هو من يضع سيفه في غمده وهو في أقصى درجات قوته، أما اليوم أصبح الشجاع هو من يستل سيفه ويشوح ويطوح به…وهو يرقد في سريره.
