تل أبيب: حزب الله ونصر الله تفوقّا على إسرائيل بالحرب النفسيّة وخطاب “ما بعد حيفا” والإعلان ببثٍ حيٍّ ومُباشرٍ عن ضرب البارجة “ساعر” حُفرا عميقًا بوعي الإسرائيليين

شبكة وهج نيوز : عندما رحل الزعيم العربيّ، الشهيد جمال عبد الناصر، في الـ28 من شهر أيلول (سبتمبر) من العام 1970، انبرت رئيسة الوزراء الإسرائيليّة آنذاك، غولدا مائير، وقالت لوسائل الإعلام العبريّة: تُوفيّ العدو المُحترم، على حدّ تعبيرها. والشيء بالشيء يذكر: في بحث أكاديميّ تمّ إجراؤه في كلية تل-حاي في شمال الدولة العبريّة تبينّ أنّ 80 بالمائة من الإسرائيليين يُصدّقون سيّد المُقاومة، الشيخ حسن نصر الله، في حين أعرب 20 بالمائة عن ثقتهم بأركان دولة الاحتلال. وبالتالي، على الرغم من أنّ ماكينة الإعلام الصهيونيّ، الممتدّة كالإخطبوط في جميع أصقاع العالم، تعمل على مدار الساعة، لشيطنة نصر الله، فإنّ الإسرائيليّ كان وما زال وسيبقى على قناعةٍ تامّةٍ بأنّ نصر الله، هو الزعيم العربيّ الذي لا يكذب، يقول الحقيقة، والأخطر من ذلك، أنّه إذا وعد فإنّه يوفي.
واليوم، بعد مرور عقدٍ من الزمن على حرب لبنان الثانية، يُمكن القول-الفصل: لم تقتصر مفاعيل خطابات الشيخ نصر الله على معنويات الجمهور الإسرائيليّ وجنوده، بل كان لها أثرها الفعّال أيضًا على صنّاع القرار السياسيّ والأمنيّ في تل أبيب، وهو ما شهدت به أكثر من محطة قبل حرب عام 2006 وخلالها وبعدها.
ومن أبرز المواقف التي بدا أنّ حضورها في إسرائيل، جمهورًا ونخبًا، لا يقل عمّا هو عليه في لبنان والعالم العربي، خطاب “ما بعد بعد حيفا”، واستهداف سفينة “ساعر”، التي أعلن عنها ببثٍ حيٍّ ومباشرٍ، الأمر الذي أذهل الإسرائيليين وأرعبهم على حدّ سواء. خطاب السيد نصرالله الذي ألقاه في تموز عام 2006، إلى حيفا، وصدقوني إلى ما بعد حيفا والى ما بعد بعد حيفا، بات محورًا لأطروحات في الأكاديمية الإسرائيليّة عن أثر هذا الخطاب، ومثالاً ممتازًا عن القدرة على الإقناع، بحسب رئيس مركز أبحاث الأمن القوميّ والإعلام في جامعة ارييل، والباحث في مجالات حرب المعلومات، الدكتور رون شلايفر، في مقابلة مع موقع (WALLA) العبريّ. وكشف شلايفر عن حقيقة أنّ هذا الموقف تحول إلى مادّةٍ على ألسنة الجمهور الإسرائيلي، وتابع قائلاً إنّ السخرية الكبرى أنّ الجمهور في إسرائيل هو الذي حوّل هذا الخطاب إلى شعارٍ، واصفًا إياه بأنّه رسالة تلتقطها الأذن جيّدًا، وانتقد الإعلام الإسرائيليّ لأنّه سار خلف الجمهور. وبحسب شلايفر فإنّ إسرائيل لمست أهمية الحرب النفسية من خلال أداء نصر الله.
وقال للموقع: بفضل نصر الله فهمنا أنّ الحرب النفسيّة مهمة، وأنّ حرب القذائف والغارات ليست هي حصرًا ما يحسم المعركة. ورأى أنّ نصر الله يُركّز على هذه الحرب ضدّ إسرائيل، كونه لا يملك القدرات التي نمتلكها، والفكرة الأساسيّة التي تقوم عليها الحرب النفسية، جزم: إذا لم تكن قادرًا على التأثير على بندقية عدوك، عليك أنْ تؤثر على الإصبع الذي يضغط على الزناد. وفي هذه القضية بالذات نصر الله ممتاز.
وشدّدّ شلايفر على أنّ أكبر كوارثنا هي أننّا نستخّف بالعالم العربي ونعتبره متخلفًا على المستوى التكنولوجيّ والاستراتيجيّ، وبذلك نرتكب خطأً فادحًا. ولفت إلى أنّ العالم أصبح يعجّ بوسائل الاتصالات ونشر الشائعات، والحرب النفسية هي بُعد إضافي يحتاج إليه القتال. وبرأيه، فإنّ حزب الله، وحماس التي تعلمت منه، يستخدمان أفلامًا معدّة جيّدًا ويحرصان على إخضاع عناصرهما لعملية إعداد شامل في هذا المجال، ويطلقان خطابات مدوية وكجزء من منهج هجوم، وعندما لا ترد عليهما تبدو كطرفٍ مهزومٍ. وتناول الموقع هذه المواقف في مقالة حملت عنوان “المعركة على الوعي: هكذا حفرت حرب لبنان الثانية في الذاكرة القومية”.
واستهلها بمقولة وزير الأمن خلال الحرب على لبنان، عمير بيرتس، التي تعهد خلالها بأنّ نصر الله لن ينسى اسمه، ورأى الموقع أنّ حرب عام 2006 لم تكوِ الوعي فقط بسبب خسائرها الكبيرة وفقدان ثقة الجمهور الإسرائيليّ بقادته، بل لكونها شكَّلت الحرب الأولى التي أُديرت فيها المعركة على الوعي بشكلٍ مخططٍ. إلى ذلك، أقرّ الناطق الأسبق باسم الجيش، العميد آفي بنياهو، بأنّ حزب الله سبق الجيش الإسرائيليّ في الحرب النفسية، موضحًا ذلك بأنّه قبل 20 عامًا، وضع حزب الله مصوِّرًا حربيًا في كل وحدة عسكرية، ليُشارك في الهجمات على مواقع جيش لحد ويوثق السيطرة عليها.
وخلال وقت قصير كانت الصور تنتشر في أنحاء العالم، وكانت تُحرج إسرائيل. واعترف بأنّ المصداقية هي الكلمة الأساسية في الحرب النفسية التي يشنّها حزب الله. وأردف: حزب الله ونصر الله حافظا لسنين طويلة على مستوى عالٍ من المصداقية، وعندما يهددان يصدّقهما الجمهور في إسرائيل والعالم. ولفت إلى أنّ حرب لبنان الثانية شكلّت تحولاً في القدرة على الحفر في ذاكرة العدو، حتى لدى المواطنين القاطنين في منازلهم.وكنموذج على المصداقية التي تحلى بها نصر الله في حربه النفسية على إسرائيل، أورد بنياهو العديد من الأمثلة، منها إعلانه اعتقال الجنرال تننباوم، وتعهّده بإطلاق الصواريخ إلى ما بعد بعد حيفا، وبعدها أطلق صواريخ إلى الخضيرة وقيساريا، وتناول أيضًا خطاب نصر الله الشهير عن استهداف سفينة ساعر بالصواريخ، في لحظة الحقيقة. وخلُص إلى القول إنّ الجمهور والعالم يصدق تهديدات نصر الله وحزب الله، بحسب تعبيره.
وعلى الرغم من مرور 10 سنوات على حرب لبنان الثانية، فإنّ أيّ إطلاله لسيّد المُقاومة نصر الله، تُواكب وتُتابع من قبل المخابرات الإسرائيليّة، ولكن ما يقُضّ مضاجع صنّاع القرار في تل أبيب أنّ الجمهور الإسرائيليّ ما زال يؤمن ويثق بنصر الله وتصريحاته. “رأي اليوم”- من زهير أندراوس

قد يعجبك ايضا