هذا الوطن لنا جميعا

ما يجري ليست مكاسرة، أو معركة كسر عظم على طرف أن ينتصر فيها وعلى الآخر أن يعلن التوبة والتبعية، لأن هذه وصفة للخراب لا للإصلاح، وليس من حق أحد أن يعتقد أنه يمتلك الحقيقة كاملة فيما الآخرون جاهلون.
لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة والمعرفة المطلقة، والحرب الدائرة اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي، بين تيارات متباينة، تفتقد للتعقل من الطرفين، لدرجة تثير القلق والخوف والهلع.
ولا نحتاج أدلة كثيرة لنقول أين بلغنا؟ وإلي أي حد من الانحدار وصلنا، فلا التيار المدني قادر على تصحيح اعوجاج مجتمع تتفشى فيه المخدرات والجريمة والانحلال الأخلاقي، كما ليس التيار الديني قادرا على تحصين الشباب والمجتمع من التطرف، وأبعد ما يكون عن عقلنة خطابة وتوعية الناس بحقيقة الدين المعتدل الوسطي.
الحرب تشتعل والكل يعتقد أن عليه الانتصار مهما كان الثمن ومهما غلا، ولا يهم أن هذا الجو المريض الموبوء الذي يشيع في مجتمع ما يزال يتعلم أبجديات التحول، فترى حالة عصابية تسيّر كل الأطراف دون أدني حسّ بالمسؤولية أو إدراك للدور المطلوب منهم لينتقل المجتمع من حالة إلى أخرى.
اليوم مصيبتنا الكبرى في مجتمعنا، وذلك اعتراف لا بد منه، وإن قفزنا عنه، وظنت النخب على اختلاف أفكارها وأيديولوجيتها أنها تمتلك الحقيقة ووصفة النجاة فهي مخطئة، لأن مثل هذا السلوك لن يقود إلى حل وسط، بل الخشية أن يقودنا إلى مواجهة خطيرة لا أحد يتمناها، أو يقدر على تحمل نتائجها.
الحكمة والتعقل، أكثر ما نحتاجه اليوم، والكلام الجامع هو ما ينبغي قوله. أما أصحاب الرؤوس الحامية من المنظرين والسياسيين فلن يوصلونا إلا إلى خراب، وسيكون نتاج ما يفعلون غيرَ ما يظنون، ففي هذه المعركة لا يوجد غالب أو مغلوب، فالجميع خاسرون.
وسط الاستقطاب الخطير، والاصطفاف القائم في ظل ثقافة رفض الآخر، يبرز دور الدولة ومؤسساتها بدون استثناء، في التوقف مليّا عند كل التجاوزات من كل الأطراف، فلا سطوة لأحد إلا القانون، ولا عدالة إلا تلك التي تأتي من دار العدل ممثلة بالقضاء.
اليوم عدد السكان قفز بشكل مفاجئ واقترب من ملامسة 11 مليون إنسان، مع الأخذ بعين الاعتبار كل التغيرات التي رافقت هذه الزيادة السياسية والاجتماعية.
وإدارة مجتمعات بهذا العدد الكبير تحتاج إلى نظرة جديدة من الدولة، التي وللأسف نشعر أحيانا وفي بعض الأزمات بغيابها.
ففي شراء الاصوات غابت، وكذلك في سرقة صناديق الاقتراع، وفي احتفالات القتل بالرصاص الحي، وكذلك في حرب الكراهية الدائرة في العالم الافتراضي.
اليوم على الدولة أن تجدد أدواتها لإدارة مختلف الملفات وتحديدا الاجتماعية، إذ ما معنى أن يبقى كل هذا العدد والنوع من السلاح غير المرخص في أيدي الناس، والحل يا سادة واحد لا ثاني له، هو سيادة القانون على الجميع وتطبيقه بعدالة بعيدا عن معادلات وتحالفات تقليدية ثبت فشلها.
الأردن اليوم تغيّر، والغزو التكنولوجي احتلنا، وفعل فعله فينا، ربما لأنه جاء قبل أن نتهيأ له وقبل أن نتحضر لمعرفة الاستخدام المفيد له، من حوار وتبادل للرأي واحترامه، فصارت منبعا للكراهية والتحريض، ولأجل ذلك نحتاج إلى دولة قوية ورد كبير يقول كلمة واحدة حاسمة، إن المعركة بين الدولة وكل من يتطاول عليها، وبينها وبين كل من يمسّ هيبتها، ومن يظن أن له سلطة فوقها أيا كان.
من هذه المعادلة يأتي الحل، وضمن هذه الوصفة تتزايد فرص النجاة، والانطلاق نحو بناء جديد للمعادلات التي تدير شأننا، لأن الوطن لنا جميعا، وعلينا أن نصل لمعادلة تضمن التعايش، ويقبل الجميع بقواعد اللعبة الجديدة.

قد يعجبك ايضا