خوذة بيضاء
كتبت الصديقة الرائعة دلع المفتي في جريدة «القبس» الكويتية في 3 أكتوبر/تشرين الأول متحدثة عن مجموعة «الخوذ البيضاء» حيث قدمتهم قائلة: «في عام 2013 اجتمع متطوعون من مختلف مشارب المجتمع المدني السوري، وشكلوا هيئة الدفــــاع المدني كأول هيــــئة إغاثية مستقلة هدفهـــا مســــاعدة المدنيين وإنقاذ الأرواح ونبش أماكن الضحايا تحت الأنقاض.
عملت الهيئة بحيادية وإنسانية ولم تتبع أي تنظيم سياسي وعملت وفق مبادئ الإنسانية. مع ازدياد حدة ضربات النظام على المدنيين واتساع رقعتها، نمت الهيئة وأخذت باستقبال المزيد من المتطوعين إلى ان وصل عددهم إلى 2900 متطوع في 119 مركزا في ريف اللاذقية الشمالي، وإدلب، وحلـــــب، وحماه، وحمص، ودمشق وريفها، ودرعا.
ذاع صيت الهيئة ووصلت أخبار عملياتها إلى أصقاع الأرض فبدأت المنظمات الحقوقية العالمية والهيئات الإنسانية بتقديم الدعم والمساعدات عن طريق تأمين آليات ومعدات ومصاريف تشغيلية وتدريب المتطوعين على أعمال الإنقاذ، وتم إنشاء منظمة «الدفاع المدني السوري» بشكلها المؤسساتي الحالي، في أكتوبر/تشرين الأول 2014، وعُرف عناصرها بـ «أصحاب الخوذ البيضاء».
تقول المفتي إن للهيئة مهمات متعددة تتعدى البحث والإخلاء والإطفاء والتأهيل الى التعامل مع الذخائر غير المتفجرة والقنابل العنقودية، كما وأنهم ينظمون دورات تدريبية في التعامل مع القصف وفي الإسعافات الأولية وغيرها.
تستكمل المفتي «يعمل رجال الخوذ البيضاء في أخطر بقعة في العالم حالياً، ورغم المخاطر التي يتعرضون لها يومياً، ورغم فقدانهم لأكثر من 141 متطوعاً أثناء إنقاذهم حياة الآخرين نتيجة لاستهداف مراكزهم من قبل القوات الحكومية والروسية، يصر المتطوعون على إتمام عملهم على خير وجه واستمرارهم في إنقاذ أرواح الناس حتى إن دفعوا أرواحهم ثمناً لذلك».
تؤكد المفتي بأن هذه الهيئة تتعرض لحملات تشويه مستمرة للتشكيك في مصداقيتها بعد أن أصبح لها وزن كبير في المحافل الدولية، الا أن هذه المجموعة، ورغم كل الصعوبات والعداءات، قد ترشحت لنيل جائزة نوبل للسلام، حيث دعمت 126 منظمة حقوقية وإنسانية هذا الترشيح مما يجعله الدعم الأكبر في تاريخ الجائزة على الإطلاق.
ولأن دورنا دائماً صغير وصراخنا دائماً مرتفع، لأن كفاحنا دائماً يدور رحاه على وسائل التواصل الاجتماعي فقط لا غير، ولأننا، وفيما أطفال سوريا يدفنون تحت منازلهم، ونساؤهم ورجالهم يقتلون في شوارعم التي كانت في يوم آمنة، نستمر في صراعنا الشيعي السني، في ولاءاتنا المقيتة وفي انحيازاتنا المريضة في وقت هو أبعد ما يكون عن تحمل مثل هذه الإنحيازات، لأن السوريين يدفنون أو يغرقون أو يهجرون فيما نحن نتهم بعضنا البعض ونستخدم مأساتهم الإنسانية لربما الأكبر في التاريخ البشري لنتناول ببشاعة المزيد من الحديث الطائفي المريض، لأننا ورغم ما نرى ونسمع لازلنا عميان بصيرة نعتقد أن خياراتنا تنحصر بين نظام فاحش ومعارضة متطرفة، لأننا، رغم كل ما نعرف في دخيلة أنفسنا، لا نود أن نصنع خيارا آخر، لا نود أن نتخلى عن مساحات راحتنا، لا نستطيع للحظة أن نتخلى عن تطرفاتنا، عن عشقنا المرضي للجدال الكلامي، عن تفاخرنا البائس بعضلاتنا الإلكترونية، بسبب كل ذلك، بسبب ما يقال وما لا يمكن أن يقال، تلك هي اللحظـــــة التي يجب أن نصمت فيها وننحني لأصحاب الخوذ البيضاء، فإن لم نستطع أن نقــــدم أي مساعدة، فلنمـــــنع شــرورنا على أقل تقدير ونسمح للخوذات المشرفة أن تؤدي واجبها.
اليوم الجمعة سيتم الإعلان عن الفائز بجائزة نوبل للسلام، اليوم نصلي للخوذ البيضاء، لهؤلاء المعلمين والأطباء والخياطين والنجارين، لمن قرروا أن يبقوا تحت النار في سوريا، تحت خوذهم البيضاء الشريفة، ليطهروا بعضاً من جراح بلدهم وليعمقوا شعورنا بالتخاذل والضعف.
اليوم يوم الخوذة البيضاء، نصلي لها، ندعو لفوزها المستحق، نطلب منها المغفرة، نستسمحها جبناً وضعفاً وقلة حيلة، اليوم تفوز الخوذ البيضاء في كل الأحوال، ويسقط الساسة والأنظمة والحكومات…في أسهل امتحان، في أوضح امتحان.
