فلسطين.. ومخلفات اوسلو
استوقفني خبر بعنوان : الاحتلال يسمح بدخول 150 مركبة فلسطينية الى اسرائيل. بغض النظر عن الاشكالية الاولى في العنوان، وللقاريء التخيل ان الاحتلال واسرائيل كائنين منفصلين . فحوى الخبر الذي يرتكز على فرضية تم تسريبها من مصدر موثوق بأن هناك امكانية للسماح لدخول المركبات الفلسطينية ال 150 الى اسرائيل. ومن مهاترات الخبر، تأكيد صاحب المصدر انه تم التفاوض مع اسرائيل (الاحتلال) على ادخال 150 لان الاخيرة كانت مصرة على 100 مركبة فقط.
شر البلية ما يضحك.. هذا كان شعوري بينما تسمرت لبعض الوقت امام الخبر.
كيف يكون هذا خبر اصلا؟ في كل يوم يمر يتقزم الوطن فيه الى مصالح افراد، وصلت فينا الى هذا المكان. المكان الذي تصبح مصالح بعض الافراد انجازات وطنية.
ولا استطيع فهم مدى اهمية دخول المركبات الفلسطينية للحقيقة الى داخل اسرائيل ، الا من جانب التجهيل والتشويه والتهميش والاقصاء التي نجحت اسرائيل في تثبيته في ما تبقى من القضية الفلسطينية. تلك القصة القديمة الحديثة في ما بين الحمار والجزرة المعلقة على عصا تسحبه الى طريق محدد من قبل من يقوده. الجزرة صارت تبدو هدفا صالحا ،نافعا ومجديا بالنسبة لحالة الحمار . بالنهاية كان الحمار بانتظار وليمة يومه بتلك الجزرة. لا اعرف كيف ممكن ان اعبر عما يمكن مقارنته بهذا المثل وحالنا، لان الجزرة هنا تبدو بحكم الوطن اذا ما قارننا ما يتم الطموح اليه من قبل مصادرنا الموثوقة ممن يتفاوضون على هذا الوطن.
وبلا ادنى شك، فان اسرائيل وصلت الى هذه القناعة منذ مدة ، فلقد انتهت المفاوضات الى طريق مسدود وكأنها لم تكن ، وانتهت الى التفاوض على بعض الامتيازات التي قد تفوق ما نراه نحن العوام من تصاريح (في اي بي) وتصنيفاتها المختلفة بالاهمية . فالسلام الاقتصادي المزعوم مبني على هذه الفرضيات من التسهيلات في صناعة نخبة فلسطينية تسيطر على البلد من خلال تحكمها بموارد الاقتصاد المختلفة التي تبدأ وتنتهي جميعها بالتنسيق الامني اللازم من اجل ان يدخل او يخرج اي شيء الى اراضي السلطة. تحولت البلد منذ اوسلو تدريجيا الى رأسمالية تبني ايراداتها على التمويل الانساني للشعب الفلسطيني اولا ثم انتهت الى تنسيق امني للاهتمام بمزايا بأحسن احوالها تقتصر على اعداد محدودة من المنتفعين انفسهم وعائلاتهم ومعارفهم واصدقائهم.
قد نستمر في التساؤل عن اسباب التدهور في الحال الفلسطيني. عن اسباب التشويه الحاصل في الهوية الفلسطينية بداخل كل واحد منا . واعود في كل مرة الى نقطة اوسلو. كيف كنا كمجتمع قبل اوسلو وما انتهينا اليه بعد اوسلو . وبقدر ما احاول عدم الاجحاف بمن اتونا باوسلو واوتى بهم بعد اوسلو ، فلا يمكن عدم الربط بين ما كان عليه المجتمع وبين ما ال اليه. قد يكون العنوان الكبير للمعضلة هو الاحتلال والوضع السياسي نفسه . الا انني لطالما اتساءل كيف تحول المجتمع من حالة الى حالة .بكل الاحوال يجمعنا كشعب قكرة اننا كلنا ضحينا بشيء ما من اجل فلسطين ، فهناك من ناضل بالسجون، وهناك من ابعد، وهناك من فقد حبيب او قريب وهناك من لجأ وهناك من تشرد …… في محاولة عقيمة لفهم ما يجري من قبل هذه النخبة الجديدة المنصبة على المجتمع الفلسطيني في السياسة والاقتصاد وبالتالي اصبحت تعكس حالا اجتماعيا جديدا . قد يكون الوطن بالنسبة لهؤلاء هو هذا . فاذا نظرت الى من جلبت اوسلو بعد شتات اربعين عام ، كان جل من رجعوا من اللاجئين المهجرين في شتات العالم ، لربما لاولئك تلك كانت العودة قد تحققت بمفهوم عودة الوطن . فبعودتهم عاد الوطن….
ولن اقلل من هذه العبارة ، بلا ادني شك لا اقصد بها اي تهكم.. ففعلا بعودة ابناء الوطن يعود الوطن…. ولكن لا تنتهي الامور الى هنا … قد اكون مجحفة في كلامي ، وبلا ادنى شك ايضا ، انا لا اعمم هنا. انا اقصد بكلامي تحديد كل من انتفع من الوضع الذي يجعلنا نقف اليوم بهذا الوضع الحالي الذي يجعلنا ننظر حولنا فلا نجد الا اقرب مصالحنا حليفا لنا . الا انه ربما ان اولئك يظنون انهم دفعوا ضريبة الغربة والشتات والسجون ولقد تم تعويضهم في ما يتم مبادلة الوطن الاصيل به من امتيازات خاصة……
الا انه يبدو وان هدا هو الحال منذ اوسلو … فلا نسمع الا عن استحقاقات لتضحيات قدمت ، وعلينا نحن العوام الانحناء تقديرا وعرفانا وتبجيلا … حتى عمنا علي عومهم وصفقنا وصدقنا وانتظرنا حلم التحرير الذي جاؤوا به ….لينتهي هذا الحلم على واقعهم الذي تغير ليصبحوا اعيانا ونخبا ، ونستيقظ نحن غارقين في بحر اوهامنا لوطن انتهوا اليه منذ لحظة وصولهم الى هنا وتحويل رام الله الى مقاطعة سلطوية تمتليء جبالها ووديانها بالفلل والقصور والمشاريع الاستثمارية الضخمة التي لا يتعدى اصحابها عدد ذوي النفوذ انفسهم ومن رضي عنه السلطان .
انتهى الوطن الى فيلا واستثمار وسيارة وسفر يتطلب تصريح في اي بي وفي حالة النخبوية المفرطة سيارة تجوب شوارع اسرائيل .
تنويه اخير : انا لا اعمم هنا ، والمقصود لا يرمي الى تقسيم المجتمع انقساما فوق انقساماته . والمقصود اكثر باوسلو وناسها هو كل المنتفعين المتسلقين على اوسلو من الداخل والخارج.
كاتبة فلسطينية
http://nadiaharhash.com
