*أنواع ملكية الأرض في فلسطين في العهد العثماني وكيف سهل الاحتلال البريطاني سيطرة اليهود عليها*

د. أحمد العرامي  …..

 

شهدت فلسطين خلال العهد العثماني نظامًا قانونيًا لتنظيم ملكية الأراضي، اعتمد على تصنيفها وفق طبيعتها واستخدامها، بهدف ضبط العلاقة بين الدولة والفلاحين وضمان تحصيل الضرائب. إلا أن هذا النظام الذي وُضع لأغراض إدارية تحول لاحقًا في عهد الاحتلال البريطاني إلى أداة لانتزاع الأرض من أصحابها وتمكين مشروع كيان العدو الصهيوني من السيطرة التدريجية على فلسطين.
في العهد العثماني كانت الأراضي تقسم إلى أنواع متعددة أهمها الملكية الخاصة التي يمتلكها الأفراد ملكًا تامًا ولهم حق التصرف فيها بالبيع والوراثة، وغالبًا ما تركزت في المدن والمناطق الزراعية . أما الأراضي الأميرية (أراضي الدولة) فهي ملك للدولة يُمنح حق الانتفاع بها للفلاحين مقابل دفع ضرائب، لكن لا يجوز لهم التصرف فيها بيعًا أو نقلًا دون إذن الدولة، ما جعلهم عمليًا مستأجرين دائمين للأرض التي يزرعونها. كذلك وُجدت أراضٍ وقفية خُصصت لأغراض دينية وخيرية مثل المساجد والمدارس والزوايا، لا تُباع ولا تُورث وتدار وفق شروط الواقف. كما كانت هناك أراضٍ مشاع تُستخدم جماعيًا لأبناء القرية في الرعي أو الزراعة ولم تكن مسجلة رسميًا، إضافة إلى الأراضي البور وهي أراضٍ غير مزروعة تقع خارج حدود القرى وتُعد ملكًا للدولة يمكن إحياؤها واكتساب حق فيها عبر الزراعة والعمران.
حين ورثت بريطانيا هذا النظام بعد سقوط الدولة العثمانية عام 1917، استخدمته بخبث لخدمة الوعد الذي قطعته للحركة الصهيونية بإنشاء وطن قومي لليهود. فقد قامت سلطات الانتداب بتسجيل الأراضي الأميرية باسمها، ثم فتحت الباب أمام الوكالة اليهودية لشرائها أو استئجارها بزعم استثمارها زراعيًا. كما أنشأت دائرة لتسوية الأراضي فرضت تسجيل الملكيات رسميًا، الأمر الذي أضر بالفلاحين الفلسطينيين ، ففقدوا مساحات واسعة . واستفاد من ذلك الإقطاعيون الغائبون من غير الفلسطينيين وبعض الوسطاء الذين باعوا ما لا يملكون فعليًا، فانتقلت إلى أيدي اليهود بغطاء شكلته بريطانيا.
أما ما يُروّج له من أن الفلسطينيين باعوا أراضيهم طوعًا فهو كذبة سياسية استُخدمت لتبرير الاحتلال ونزع الشرعية عن الوجود الفلسطيني. فالإحصاءات التاريخية تؤكد أن نسبة الأراضي التي بيعت طوعًا من قبل الفلسطينيين لم تتجاوز 1% من مجموع أراضي البلاد حتى عام 1948، بينما كانت الغالبية من الأراضي الأميرية والمشاع التي جرى الاستيلاء عليها باسم الدولة أو عبر قوانين بريطانية جائرة.
بهذا الشكل تحولت القوانين العثمانية التي وضعت لتنظيم إدارة الأرض إلى وسيلة استخدمها الاحتلال البريطاني لتجريد الشعب الفلسطيني من أرضه، وتهيئة البنية لقيام كيان العدو الصهيوني. فالقضية لم تكن بيعًا طوعيًا من الفلاحين لأرضهم، بل نزعًا منهجيًا للملكية تحت غطاء من البيروقراطية، هدفه النهائي تمكين المشروع الاستيطاني اليهودي من السيطرة على أرض فلسطين.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا