عبدالله الثاني… حين يصبح العُمر سيرة وطن
معالي حسين باشا المجالي ….
في عيد ميلاده الرابع والستين، لا يحتفل الأردنيون بذكرى شخصية لقائدهم فحسب، بل يستحضرون سيرة وطنٍ كاملة كُتبت على مهل، بالحكمة أكثر مما كُتبت بالضجيج، وبالثبات أكثر مما كُتبت بالشعارات.
عبدالله الثاني ابن الحسين لم يبدأ رحلته من بوابة القصور، بل من ميادين الخدمة والانضباط، ضابطًا في القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، حيث تدرّج في الرتب والمواقع، وتعلّم مبكرا أن القيادة مسؤولية قبل أن تكون موقعا، وأن هيبة الدولة تُبنى بالعدل والانضباط قبل الخطاب.
وحين اختاره والده الراحل جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال وليًا للعهد، لم يكن ذلك اختيارا شكليًا، بل قرارا نابعا من معرفة عميقة بشخصيته وقدراته، وثقة برجلٍ عرفه الحسين قريبًا من الجنود، قريبًا من الناس، شديد الالتصاق بالأرض التي أحبها حتى آخر نبض.
وفي عام 1999، تسلّم عبدالله الثاني العرش في واحدة من أكثر المراحل الإقليمية تعقيدًا، والمنطقة من حوله تموج بالتحولات، والأزمات، والانكسارات. فاختار منذ اللحظة الأولى أن يكون ملك دولة لا ملك مرحلة، وأن يقود بهدوء لا باستعراض، وبمراكمة الإنجاز لا برفع الصوت.
على الصعيد السياسي، رسّخ نهج الدولة المتوازنة، التي تحمي مصالحها دون أن تنجرّ إلى صراعات عبثية، وحافظ على ثوابت الأردن في القدس وفلسطين، وعلى استقلالية القرار الوطني، وعلى صورة الأردن كدولة عقلانية محترمة في محيط مضطرب.
أما اقتصاديًا، فقد خاض معركة شاقة ضد التحديات البنيوية: المديونية، البطالة، شح الموارد، وضيق الخيارات. فأطلق برامج إصلاح متتابعة، وصولًا إلى رؤية التحديث الاقتصادي التي تهدف إلى إعادة بناء الاقتصاد على أسس الإنتاج والتكنولوجيا والاستثمار الحقيقي، لا على الحلول المؤقتة.
وفي الإدارة العامة، فتح باب الإصلاح المؤسسي، وبدأ مسار تحديث القطاع العام، وتحسين الخدمات، والانتقال التدريجي نحو الحكومة الرقمية، إيمانًا منه بأن كرامة المواطن تبدأ من نافذة دائرة حكومية محترمة، ومعاملة عادلة، وقانون يُطبَّق على الجميع.
وفي مسار بناء الدولة الحديثة، أولى جلالة الملك عبدالله الثاني اهتمامًا خاصًا بتحديث المنظومة الأمنية والعسكرية، إدراكًا منه أن قوة الدولة تبدأ من مؤسساتها الحامية للاستقرار وسيادة القانون. فقاد مشروعًا وطنيًا متكاملًا لإعادة هيكلة مديرية الأمن العام، ودمج جهازي الدرك والدفاع المدني ضمن مظلة واحدة، بما عزّز وحدة القرار الأمني، ورفع كفاءة الاستجابة، وحسّن مستوى التنسيق الميداني، وضمن تقديم خدمات أمنية وإنسانية أكثر احترافية للمواطنين في مختلف الظروف.
كما أطلق جلالته برنامجًا متدرجًا لإعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، على مدار ثلاث سنوات، شمل تحديث العقيدة التنظيمية، وتطوير أنظمة التدريب والتسليح، وإعادة توزيع القدرات، وتعزيز الجاهزية العملياتية، بما يواكب طبيعة التهديدات الحديثة ويحافظ على مكانة الجيش الأردني كقوة وطنية محترفة، منضبطة، ومحل ثقة شعبها وقيادتها. وقد شكّلت هذه الإصلاحات الأمنية والعسكرية ركيزة أساسية في ترسيخ الاستقرار الداخلي، وحماية مسيرة التنمية، وتحصين الأردن في محيط إقليمي بالغ التعقيد.
لم يكن الطريق سهلًا. مرّت على الأردن أزمات اقتصادية عالمية، وحروب إقليمية، وموجات لجوء، وجائحة كورونا، واضطرابات في سلاسل التوريد، وتهديدات أمنية متعددة. ومع ذلك، بقي البلد واقفًا، لا لأنه محصّن بالجغرافيا، بل لأنه محصّن بقيادة تعرف متى تتقدم ومتى تصمت، ومتى تشد ومتى تُمسك بخيوط الحكمة.
عبدالله الثاني لم يقد الأردن بعاطفة الخطابات، بل بعقل الدولة. لم يعد شعبه بالمعجزات، بل بالصبر والعمل والتدرج. ولم يقدّم نفسه بطلاً أسطوريًا، بل خادمًا لدولة صغيرة في حجمها، كبيرة في كرامتها.
في عيد ميلاده الرابع والستين، يقول الأردنيون – بصوتٍ قد لا يكون عاليًا، لكنه صادق: نحتفل بك لأنك كنت الأمان حين ضاقت الطرق، والثبات حين تبدلت المواقف، والصوت الهادئ الذي يطمئن القلوب قبل أن يخاطب العالم.
حفظك الله للأردن، وأدام عليك الصحة والعافية، وجعل أعوامك القادمة مزيدًا من الطمأنينة لهذا الوطن…
ومزيدًا من السكينة لشعبٍ تعلّم معك أن الصبر شكلٌ من أشكال السيادة.
كل عام وأنت بخير، يا سيد البلاد.