نتنياهو يتحدث عن “خطر إيران”… بينما يقف العالم أمام الخطر الحقيقي: إسرائيل

محي الدين غنيم  …..

في مشهدٍ يعكس أقصى درجات المفارقة السياسية، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بخطاب موجّه إلى شعبه وإلى الشعب الإيراني، محاولا  تصوير إيران باعتبارها “الخطر الأكبر على العالم”. خطابٌ بدا وكأنه محاولة جديدة لإعادة صياغة الواقع وقلب الحقائق وتقديم الجلاد في صورة الضحية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة : من هو الخطر الحقيقي الذي يهدد الاستقرار الإقليمي والدولي منذ عقود؟
هل هي دولة لم تحتل أرضاً خارج حدودها؟
أم كيان قام أساساً على الاحتلال والاقتلاع والتهجير؟
منذ عام 1948، لم يعرف الشرق الأوسط صراعاً أكثر دموية واستمرارية من الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. ملايين الفلسطينيين شُرّدوا، مدن دُمّرت، وأجيال كاملة وُلدت تحت الحصار والقصف والخوف. واليوم، لا يزال العالم يشاهد حربا مفتوحة على قطاع غزة، حيث تتواصل عمليات القتل الجماعي والتجويع والحصار وسط صمت دولي يكاد يرقى إلى مستوى التواطؤ.
نتنياهو يتحدث عن تهديد عالمي، بينما تمتلك إسرائيل ترسانة نووية غير خاضعة لأي رقابة دولية وترفض الانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، في وقت تُفرض فيه أقسى العقوبات والضغوط على دول أخرى بحجة منع الانتشار النووي. إنها ازدواجية سياسية صارخة تُدار بمنطق القوة لا بمنطق القانون.
الأخطر من ذلك أن الخطاب الإسرائيلي لم يعد موجها فقط لتبرير السياسات الداخلية أو العمليات العسكرية، بل أصبح أداة لتهيئة الرأي العام العالمي لحروب جديدة في المنطقة. فكلما واجهت الحكومة الإسرائيلية أزمة داخلية أو عزلة دولية متزايدة، عاد “الخطر الإيراني” إلى الواجهة باعتباره شماعة جاهزة لتبرير التصعيد.
الحقيقة التي يحاول نتنياهو تجاهلها أن المنطقة لم تدخل دوامة الحروب المتلاحقة إلا نتيجة الاحتلال المستمر  وسياسات القوة ورفض أي حل عادل للقضية الفلسطينية. فلا يمكن الحديث عن أمن عالمي بينما يعيش شعب كامل تحت الاحتلال والحصار.
إن أخطر ما في خطاب نتنياهو ليس اتهام إيران، بل محاولة إعادة تعريف الخطر نفسه: تحويل الأنظار بعيداً عن الاحتلال، وعن الجرائم اليومية وعن واقعٍ باتت فيه القوة العسكرية بديلاً عن العدالة الدولية.
العالم اليوم لا يحتاج إلى خطابات تخويف جديدة، بل إلى شجاعة الاعتراف بالحقيقة:
السلام لا يمكن أن يولد تحت القصف، ولا يمكن للأمن أن يقوم فوق أنقاض الشعوب.
وإذا كان نتنياهو يبحث فعلاً عن مصدر الخطر في الشرق الأوسط، فربما عليه أن ينظر أولاً إلى المرآة.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا