فادي السمردلي يكتب: موازنة 2027 تفتح الملف الكبير ماذا ستقدم الأحزاب للأردنيين غير الانتقاد؟
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
للمرة الأولى منذ سنوات، تملك الأحزاب السياسية فرصة حقيقية للتأثير في واحدة من أهم الوثائق التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر وهي الموازنة العامة للدولة فحين يوجه رئيس الوزراء الحكومة للبدء مبكرًا بإعداد موازنة عام 2027، فإن الرسالة لا تخص الوزارات والمؤسسات الرسمية فقط، بل تصل أيضًا إلى الأحزاب السياسية التي رفعت شعار المشاركة في صنع القرار وتحملت مسؤولية تمثيل المواطنين تحت قبة البرلمان.
الحقيقة التي يجب أن تدركها الأحزاب اليوم أن وقت العمل هو الآن، وليس بعد صدور مشروع الموازنة فعندما تصل الموازنة إلى مراحلها النهائية أو إلى مجلس النواب تكون الخيارات أضيق بكثير، وتصبح قدرة الأحزاب على إحداث تغييرات جوهرية محدودة أما في هذه المرحلة المبكرة، فإن المجال ما يزال مفتوحًا لتقديم التصورات والبدائل والمقترحات التي يمكن أن تؤثر فعليًا في أولويات الإنفاق والسياسات الاقتصادية والاجتماعية.
الأردنيون لا ينتظرون من الأحزاب بيانات سياسية عامة أو انتقادات تقليدية للحكومة بعد اتخاذ القرارات، بل ينتظرون منها أن تقدم رؤية واضحة ومتكاملة كيف يمكن تحسين الخدمات؟ أين يجب أن تذهب الأموال العامة؟ ما هي القطاعات التي تستحق الأولوية؟ وكيف يمكن خلق فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة؟
إن إعلان الحكومة أن الأولوية في موازنة 2027 ستكون للمشاريع الرأسمالية الاستراتيجية في المياه والنقل والطاقة يفتح بابًا واسعًا أمام الأحزاب لتقديم رؤاها فهل تمتلك الأحزاب دراسات حول أولويات قطاع المياه الذي يواجه تحديات متزايدة؟ وهل لديها تصورات لتطوير منظومة النقل العام وتقليل الكلف على المواطنين؟ وهل أعدت خططًا واقعية لتعزيز أمن الطاقة وجذب الاستثمارات؟
كما أن استمرار الإنفاق على الصحة والتعليم والرقمنة يضع الأحزاب أمام مسؤولية أخرى. فهذه الملفات لا يمكن التعامل معها بالشعارات فالمطلوب هو تقديم برامج قابلة للتطبيق، وأفكار عملية لتحسين جودة التعليم، ورفع كفاءة الخدمات الصحية، وتسريع التحول الرقمي بما ينعكس على حياة المواطنين اليومية.
أما قرار زيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين الذين تقل رواتبهم عن 600 دينار بمقدار 30 دينارًا شهريًا، فهو ملف يستحق نقاشًا جادًا من الأحزاب فبدل الاكتفاء بتأييد القرار أو انتقاده، يفترض أن تقدم الأحزاب تصورًا أشمل لسياسات الأجور والدخل والحماية الاجتماعية، وأن توضح للمواطنين كيف يمكن تحسين القوة الشرائية بشكل مستدام، وليس من خلال إجراءات مؤقتة فقط.
ومن الملفات التي تستوجب اهتمامًا خاصًا أيضًا توجه الحكومة لتخفيض النفقات التشغيلية بنسبة 15%. هذا القرار يثير أسئلة مهمة حول كفاءة الإنفاق العام وإدارة الموارد الحكومية وهنا يظهر الدور الحقيقي للأحزاب من خلال تقديم مقترحات عملية حول أوجه الهدر التي يمكن معالجتها، وآليات رفع كفاءة المؤسسات العامة، وضمان أن ينعكس أي وفر مالي على التنمية والخدمات لا على تقليص جودة الأداء الحكومي.
وفي الجانب الاجتماعي، أكدت الحكومة استمرار دعم القمح والأعلاف وأسطوانة الغاز والمعونة الوطنية وصندوق دعم الطالب الجامعي وهذه الملفات تمس شرائح واسعة من المواطنين، وتحتاج إلى نقاش حزبي مسؤول يوازن بين حماية الفئات الأقل دخلًا والحفاظ على الاستدامة المالية للدولة فالمطلوب من الأحزاب أن تقدم بدائل وسياسات واضحة، لا أن تكتفي برفع سقف المطالب دون بيان مصادر التمويل.
إن التحول نحو الحكومات البرلمانية والحياة الحزبية الفاعلة لا يقاس بعدد التصريحات الإعلامية أو المؤتمرات الصحفية، بل بقدرة الأحزاب على إنتاج سياسات عامة قابلة للتنفيذ والموازنة العامة هي الميدان الأهم لاختبار هذه القدرة، لأنها تعكس الأولويات الوطنية بالأرقام لا بالشعارات.
اليوم، ومع بدء التحضير لموازنة 2027، تقف الأحزاب أمام اختبار حقيقي فإما أن تستثمر هذه الفرصة وتدخل مبكرًا في نقاش اقتصادي وطني يقدم حلولًا ومبادرات ورؤى قابلة للتطبيق، وإما أن تنتظر حتى تكتمل الموازنة ثم تعود إلى مربع الانتقاد التقليدي الذي اعتاده الشارع لسنوات طويلة.
الأردنيون يريدون من الأحزاب أن تكون شريكًا في صناعة القرار لا مجرد مراقب له، وأن تكون مصدرًا للأفكار والحلول لا منصة للاعتراض فقط ولذلك فإن السؤال الذي ستجيب عنه الأشهر المقبلة ليس ماذا ستفعل الحكومة في موازنة 2027، بل ماذا ستقدم الأحزاب للأردنيين غير الانتقاد؟
الكاتب من الأردن