«أصحاب السلطة»
لا أظن أن البرامج الإعلامية الحوارية القائمة على الإثارة العاطفية، وركاكة الأفكار قادرة على إيجاد درجة أفضل من الإدراك والوعي والفكر لدى جمهور المتلقين. ومقابل تلك البرامج المهزوزة، وعلى النقيض منها، شاهدتُ بإعجاب شديد برنامج «أصحاب السلطة»، وهو حواري ينطلق بثبات، ويؤسس رؤية نقدية وحسّا إعلاميا رفيعا. «أصحاب السلطة» برنامج جاد، يحاور عددا من الشخصيات البارزة ذات سلطة سياسية أو إعلامية أو فكرية أو دينية أو علمية.. ويتسم البرنامج بالتنوع، ووضوح الفكرة، وجدية التوجهات، وجمال العرض.
إن الإعلام الناجح اليوم هو القادر على استثمار الوسائل التكنولوجية الحديثة في نشر الأخبار مع تحري الدقة من دون تحريف، وطرح الحقائق عن قناعة، وتكوين توافق مجتمعي على القضايا المصيرية، وعرض الآراء والاتجاهات والميول بتنوعها واختلافها من دون رتابة، وهو الأمر الذي شعرت به ولمسته وأنا أشاهد البرنامج الحواري «أصحاب السلطة» الذي أعتقد أنه قفزة إعلامية كويتية على مستوى يشرف ديرتنا.
وفي حلقته الأولى، استضاف برنامج «أصحاب السلطة» لاري كنغ الإعلامي الشهير، بل أسطورة الإعلام صاحب الخبرات الواسعة، وأكد أنه لا يتكلف في الطرح أثناء تقديم برامجه وأنه يهدف إلى جعل العالم أكثر معرفة. ومن ساحة الإعلام إلى خفايا السياسة، استضاف البرنامج إدوارد سنودن، وناقش مفهوم المواطنة والجاسوسية والخيانة وأثر الفضائح الإعلامية في حماية الحريات. الحلقة بأسرها تأسر المشاهد، وتأخذ بفكره نحو عوالم الشك والنقد والموازنة والترجيح. وفي الحلقة الثالثة كان الغنوشي على سفينة «أصحاب السلطة»، وكان الحوار واقعيا يتطرّق إلى فكرة التوافق بين الأحزاب السياسية في تونس، وهل ذلك علامة من علامات النضج والإيمان بالتعددية، أم أن الأمر مداهنة وخضوع لمقتضيات الحياة الديموقراطية آنيا؟ فالفارق شاسع بين الموازنات والتنازلات. إن برنامج «أصحاب السلطة» انطلاقة جيدة تستحق الترحيب والتشجيع، والإعلام نهر من الإبداع والإلهام وهو ما ننشده لإعلامنا الكويتي والخليجي القادر على إعداد وتنفيذ برامج فضائية تزيل عزلتنا الإعلامية عالميا، وتقدم طاقات قادرة على خوض غمار البرامج الحوارية وغيرها على مستوى إعلامي رفيع يليق بدولة الكويت.
كل جهد بشري يشوبه النقص، وهذا أمر لا مفر منه، لكن هذه البرامج ينتظرها المشاهد منذ زمن بعيد، لأن لها صبغة دولية، ووظيفة فكرية اجتماعية تتخذ من الحوار مدخلا، ومن العقل منهجا، ومن التعايش هدفا.
ولعل سبب نجاح برنامج «أصحاب السلطة» يعود إلى عدة أسباب؛ منها محاولة فهم الناس واحترام اختياراتهم داخل المركب الواحد.
أعجبني كثيرا سؤال عثمان العنجري للاري كينغ عندما قال له: لماذا تسأل دائما بــ «لماذا؟»؟ فقال لاري: «إنه أفضل سؤال في العالم، لأنه لا تمكن الإجابة عنه بكلمة واحدة، ويجبر الشخص على التفكير».
أ.د. لطيفة حسين الكندري
** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
