الدبلوماسية الأردنية و الأزمة السورية ” ما بين الثابت والمتغير “

 

بقلم / ردينة العطي

 

ليس مفاجئا  ما صرح به الناطق الرسمي باسم الحكومة معالي  محمد المومني حول العلاقة مع الجمهورية العربية السورية والتي جاء بمضمونها ان العلاقة بين البلدين تخطو بخطى ثابته نحو التحسن والتطوير ان هذا التصريح رغم انه جاء متأخرا فقد ترك انعكاسا إيجابيا على مستوى الرأي العام وعلى مستوى المؤسسات السياسية والاقتصادية في البلاد وهو يؤشر الى ان الدبلوماسية الأردنية ومواقفها على الصعيد الخارجي وخاصة في الأزمات التي تحيط في المملكة الأردنية كان موقفا متوازنا وخارج اطار التمحور الكلي والشامل مع القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في المنطقة.

إن موقف الأردن والذي ارتكز على النأي بالنفس عن هذه التجاذبات السياسية و الاصطفافات و التمترس خلف مراكز القوى وقيادات المحاور الإقليمية والدولية اعطى الأردن بعدا  آخر ، وهذا البعد فتح المجال لمرونة سياسية ومساحة للحركة الدبلوماسية الأردنية في توظيف هذه الدبلوماسية من اجل الحفاظ على مصالح الأردن العليا من خلال التأكيد على الثوابت الأردنية وهي محاربة التطرف والإرهاب ومركزية القضية الفلسطينية ووحدة الأراضي السورية والعراقية كثوابت لا يمكن التزحزح عنها في سياق الحلول السياسية الناجزة في المنطقة ،وجعل الأردن جزءا لا يتجزأ من الحلول ومشاريع الحلول المطروحة في المنطقة .

ان هذه السياسات ترجمتها الدبلوماسية الأردنية من خلال تراكم كمي وكيفي  في تعاملها مع المستجدات المتسارعة التي كانت وما زالت تعصف بالمنطقة منها ان الأردن طلب الاستثناء من قرار جامعة الدول العربية مقاطعة النظام السوري ومنها أيضا عدم الاستجابة للمقاطعة النظام الإيراني فقد حضر الأردن احتفال تنصيب روحاني كرئيس للجمهورية الإسلامية الإيرانية وخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي لدولة قطر، ولم يستجب لقرار دول الحصار وابقى علاقة دبلوماسية وعسكرية نشطه مع الجانب الروسي لمعرفة مدى حجم وثقل و تأثير روسيا الاتحادية العسكري والسياسي في المنطقة مما أدى الى جعل الأردن مراقبا في محادثات استانا رغم انه عضو فاعل في التحالف العربي والتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.

هنا لابد ان نشير الى ان النتيجة المباشرة لحيوية ودينامية الدبلوماسية الأردنية هو الاتفاق الأردني الأمريكي الروسي والذي جعل الأردن ركنا أساسيا في الاتفاق حول الترتيبات في الجنوب السوري،  والذي يعتبر مجالا حيويا مركزيا بالنسبة لمصلحة الأردن العليا والذي اصر من خلالها الأردن انه لن يقبل أي ترتيبات حول المعابر الحدودية الا بوجود النظام السوري ولن يقبل بأن تتمركز مليشيات مذهبية على  حدودها الشمالية وهذا يعني في الجانب التنموي ان الأردن سيكون المعبر الرئيسي لإعادة اعمار سوريا وانعكاسات ذلك على الاقتصاد الأردني والتنسيق المستقبلي  حول مصير اللاجئين السوريين ، وقس على ذلك العلاقة مع العراق الشقيق.

كل ذلك قد مهد له بذكاء واقتدار جلالة الملك عبدالله المفدى في سياق حركته الدبلوماسية والسياسية النشطة ودون كلل او ملل على المستوين  الإقليمي والدولي فقد كان لهذه السياسة من جانب وللكاريزما الشخصية التي يتمتع بها جلالته  عاملا مؤثرا وحاسما في الحفاظ على استقرار الأردن امنيا” وسياسيا” واجتماعيا” وحفظ خط الرجعة في الحفاظ على علاقات متوازنة  مع كل الأطراف بغض النظر عن النتائج المباشرة وغير المباشرة التي سيتمخض عنه الحراك الدولي لحلحلة أزمات المنطقة والتي بدأت بوادره واضحة في تسارع وتيرة الحسم العسكري للقضاء على  عصابة داعش الإرهابية واخواتها من  خوارج العصر .

اذا” هي القدرة والإرادة والثقة المطلقة الشعبية غير المسبوقة في كل ما يدعو إليه جلالة الملك المفدى والذي ضرب مثالا يحتذى به على الصعيد الدولي بأن الديمقراطية ومشروع الإصلاح الشامل الذي ينتهجه الأردن من أجل إنجاز مهام التمكين الديمقراطي لا يمكن أن يرتهن بأزمات الإقليم ولا يمكن التراجع عن هذا النهج مهما كانت التحديات الخارجية والداخلية وهذا ما اثبتته التجربة العملية وخاصة في استكمال الاستحقاق الديمقراطي والذي تمثل في انتخابات  مجلس الامة والإدارات المدنية من خلال قانون اللامركزية والذي اثبت ان الأردن ماض الى الامام ولن يتراجع عن تحقيق هدفه الاسمى القائم على توسيع دائرة المشاركة الشعبية في صناعة القرار لأن هذا القانون والمتمثل (بقانون اللامركزية) يعتبر نواة الإستراتيجية  الملكية للتمكين الديمقراطي والمواطنة الفاعلة .

لهذا كله نحن دون محابة او مواربة وبعيدا عن التملق، ندين لجلالته بكل هذه الإنجازات والتي تعبر عن استشراف حقيقي للتطورات السياسية ونتائجها والذي توازى مع إنجازات ضخمة على صعيد استكمال مهام التحول الديمقراطي.

قد يعجبك ايضا