المدينة الفاضلة يجب ان تحاكي المتطلبات المجتمعية

المهندس هاشم نايل المجالي

 

يتعرض الجنس البشري لتغيرات اساسية في تركيبته الديموغرافية وهناك تزايد مستمر في اعداد المسنين في كافة المجتمعات وهي ظاهرة معروفة تسمى ( تشيخ المجتمعات ) حيث اطلقت منظمة الصحة العالمية ( يوم المسنين ) كذلك اهتمت كثير من الدول باعداد تخطيط مدروس وتصاميم بحيث تكون هذه المدن صديقة للمسنين مثل مدينة لندن ونيويورك وشنغهاي وطوكيو وغيرها حيث يتم توفير ايضاً الدعم الاجتماعي لهذه الفئة مع قدرات واحتياجات المسنين كذلك الاخذ بعين الاعتبار الارصفة المناسبة والانارة الجيدة سهولة دخول الابنية والمحلات التجارية وحافلات بمواصفات خاصة تراعي القدرات البدنية المحدودة للمسنين وتحفزهم للمشاركة بالفعاليات والنشاطات الثقافية والاجتماعية وغيرها بدل عزلهم وتهميشهم كذلك هذه المدن تكون صديقة للمعاقين ( ذوي الاحتياجات الخاصة ) آخذين بعين الاعتبار كودة البناء الخاصة لتغطية وتلبية احتياجاتهم وكلنا يعلم ان الحقيقة الانسانية هي ان التقدم بالعمر يترافق مع الانخفاض في القدرات البدنية واحياناً العقلية وهذه الفئات مكون رئيسي واساسي من مكونات المجتمع البشري والمستقبلي ولا بد من التخطيط لمواجهة التحديات التي يفرضها علينا المستقبل وتعتبر النرويج من الاوائل عالمياً في العناية بكبار السن توفر بهجة حياة واحساس بالامان والاستقرار خاصة انهم قدموا الكثير لبلادهم منهم ما هو حاصل على راتب تقاعدي وهذه الفئة معفاة من الضرائب ومدن بلا مخالفات ويتبع لها اراضي زراعية منتجة غير مهرمنة ولا كيماويات لمنتوجاتها توفركل شيء لاسواقها باسعار مميزة وحتى لا يكتئب من كبار السن من فقد زوجته او اولاده كذلك المرأة التي فقدت زوجها او اولادها وهو نظام مؤسسي والدولة في النرويج تخصص ميزانية لكبار السن لدعمهم عرفاناً بالجميل لما قدموه لبلادهم في سن الشباب .

كذلك فان هناك مدن النسيان مشاريع طرحتها ونفذتها دول اوروبية مثل فرنسا والدنمارك وهولندا وتهتم بتنفيذها العديد من الدول المتحضرة وهي تماثل المدن الرئيسية من حيث كافة الخدمات من مبان حديثة ومطاعم ومتاجر وحدائق وغيره من الخدمات وهي مصممه تصميماً خاصاً من قبل مهندسين وعلماء اجتماع واطباء نفسيين لمرضى الزهايمر وهو مرض ينشأ بسبب ضمور في خلايا المخ السليمة يؤدي الى تراجع مستمر في الذاكرة وفي القدرات العقلية وهناك مدينة النسيان ( لمرضى الزهايمر ) تقع في هولندا على مسافة 20كم من امستردام حيث هناك العديد من المنظمات الدولية تهتم بهذا النوع من المرض وتجري ابحاثاً على مرضى الزهايمر وتوفر كافة الوسائل والسبل لرعاية وعلاج هؤلاء المرضى من اجل جعلهم يعيشون حياة طبيعية مع توفير كافة الاحتياجات والمتطلبات لهم ووسائل الترفيه والاشخاص المختصين المدربين للتعامل مع هذه الفئة من الناس ليشعروهم انهم يعيشون في منازلهم الخاصة وحياتهم اليومية القديمة التي اعتادوا عليها قبل ان يصابوا بهذا المرض ويسمح لأهالي المرضى زيارتهم ضمن اوقات يتم تحديدها لهم وتكاليف اقامة الشخص المريض بهذه المدينة زهيدة ليست مكلفة وهناك تبرعات تأتي اليها حيث ان لها مجلس ادارة مؤهل يستقطب التبرعات النقدية والعينية حيث ان غالبية المرضى من كبار السن والاطباء والممرضين والمتطوعين يلبسون لباس عادي وليس المريول الابيض ومرضى الزهايمر غالبيتهم يعانون من الاكتئاب والمنازل التي يعيشون فيها بهذه المدينة هي منازل رعاية تفاعلية متطورة عن غرف المستشفيات لتحاكي واقعه الوهمي كحياة اسرية طبيعية فيها متطوعات من النساء الارامل والمطلقات ونساء كبيرات بالسن وتوعية وارشاد ويتم تعقيم المنازل من قبل شركات خاصة لتوفير افضل الظروف الصحية وغذاء صحي مدروس .

هذه المدن من الممكن تجميعها وفق تصاميم ومخططات مدروسة في مدينة واحدة متكاملة الخدمات تستطيع ان تستوعب ايضاً مرضى الدول المجاورة فهي بذلك تحقق دخلاً يغطي مصاريف الخدمات حيث ان الحكومة مقصرة في تقديم الرعاية الصحية والاجتماعية والترفيهية لهذه الفئات بالمجتمعات المحلية خاصة النائية ولقد عرضت الصين من خلال شركة هيتي على احدى الدول العربية انشاء مدن ذكية تحاكي كافة المتطلبات الحديثة والعصرية وتشمل كافة الفئات المجتمعية وستخلق الآلاف من فرص العمل للشباب وغيرهم وتخلق اسواقاً جديدة منتجة ومدن حرفية يعمل فيها البعض المقتدر منهم غير فئة الشباب وهي مدينة دولية ذكية تدمج المعطيات الايكالوجية والسكن والخدمات الترفيهية والصناعة وحيوية الابتكار بانشطة اقتصادية متعددة ومتنوعة ومستشفى تخصصي وغيره من الخدمات وهناك العديد من الشركات العالمية مهتمة بتمويل وتصميم وتنفيذ مثل هذه المدن الذكية والخدماتية وهناك ايضاً تكتل من مجموعة شركات عالمية مهتمة ايضاً بانشاء مثل هذه المدن على نظام B.O.T وغيره دون ان تتحمل الحكومة اية تكاليف سوى توفير البنية التحتية المغذية لهذه المدن .

هذه المدن الجديدة بالمعطيات العلمية الجديدة هي التي تحتاجها دول العالم الثالث لما يعانيه شعبها من  ضغوطات نفسية وحالات اكتئاب وزهايمر واعاقات نتيجة الحروب هذه مدن غير متوفرة في اي دولة عربية بالمعطيات الصحية العالمية والمرضى بتلك الدول لا يتلقون العناية الكاملة من قبل الجهات المعنية بل مهمشون في بيئتهم المجتمعية اما المدن الجديدة الحديثة فلها معطياتها التكنولوجية وخدماتها المميزة المتطورة من وسائل نقل متطورة واتصال حديثة وجمع نفايات واستغلالها لتوليد الطاقة الكهربائية وطرق تراعي شروط السلامة العامة واستثمار الطاقة المتجددة لتكون المنازل ذكية وحدائق بيئية وتكون المدينة بمواصفات بيئية عالمية وغيرها من المعطيات الحديثة وهذه المدن تطرحها دول لا تعاني من عجز ومديونية مالية كبيرة فالمدن التي تم تنفيذها بمدينة الزرقاء لا زالت تعاني من الكثير من النواقص والمشاكل وتدني مستوى الخدمات وغيرها رغم توفر كافة الامكانيات عند انشاءها وهي مصغرة عن المدن النموذجية المقترحة لذلك لنعالج الاختلالات الداخلية لهذه المدن للعشوائيات وخدماتها قبل طرح مدن جديدة في ظروف صعبة الا اذا كانت ستحتوي المخيمات للاجئين مثل مخيم الزعتري وغيره وهنا احتمال التمويل الخارجي وارد لتثبت اقامتهم بظروف معيشية ملائمة .

واذا ما عرفنا المدن الذكية فهي التي تستخدم التكنولوجيا الرقمية لتحسين حياة الناس كتوفير المباني الذكية وانظمة النقل الذكية وخدمات الامن الذكية والسلامة الذكية للشوارع والطاقة والمتنزهات وتكنولوجيا تدوير النفايات وغيره من الانظمة الحديثة لكن هذا الذكاء الصناعي لا يكفي ان لم يتم التحكم به وصيانته وبرمجته وادارته من قبل الانسان الذكي وادارة ذكية وسكان لهذه المدينة يحاكون هذه التكنولوجيا اي سكان اذكياء وبيئة ذكية من اجل الاستدامة اذا لا يمكن للمدينة الذكيه الاستدامة ان لم يكن هناك تفاعل ذكي مع كافة المكونات التكنولوجية لهذه المدينة بدءاً من المواطن وعمالة فنية مهرة تستطيع ان تعمل على ديمومة كافة الانظمة والاجهزة الحديثة بدل الاعتماد على الايدي العاملة الوافدة والحراسة الوافدة وعمال نظافة من الوافدين وغير ذلك .

لذلك لنتحدث بعقلانية ونحدد نوعية المدينة التي نريدها واهدافها وغاياتها ونوعية سكانها وهل هي مدن سكنية وخدماتية فقط ام منتجة وهل للراغبين بالسكن فيها شروط ومتطلبات خاصة ولأي طبقة من الطبقات المجتمعية مصممة . //



[email protected]

قد يعجبك ايضا