سامحهم ولا تنس أسماءهم
«من هو الشخص الذي أخطأتَ في حقه وتتمنى أن يُسامحك؟» هل هو أب، أم، أخ، أخت، زوجة، حبيب، صديق أو قريب؟ أو ربّما زميل؟ أو غريب تسببت له بجرحٍ أو أذى، فقط لأنه لا يُشبهك؟ أو لأنه ليس من ملّتك؟ أو لأنه يخالفكَ الرأي والطباع؟
اليوم، هي فرصتك لطلب السماح -من الله أولاً- ومن هذا الشخص ثانياً. يُمكنك أن تقتنص فرصة احتفال الأمم المتحدة باليوم الدولي للتسامح، لتبعث له أو لها، رسالة نصية، أو تُجري مكالمة هاتفية، أو ترسل له باقة من الورد مع كوب من القهوة الدافئة الكفيل دوماً بإذابة جبالٍ من الجليد.
الجليد الذي يلفّ بنا من كل حدب وصوب، حتى بتنا شعوباً باردة العقل وفظّة القلب، نبتعدُ شيئاً فشيئاً عن التسامح كركيزة من ركائز الدين الإسلامي، وفي ذلك قول الله تعالى:» وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ».
وإذا كنا مُؤمنين فعلاً بمبدأ التسامح، من أين بُعثت «داعش» وأخواتها؟ ألم تجد في نفوسنا أفكاراً فاسدة وتعصباً أعمى تتغذى عليه؟ لماذا وصلنا إلى هذا الكمّ من الكُره للآخرين؟ لمن الغلبة في مناهجنا التعليمية: للتسامح أم للتعصبّ، على أساس الجنسية والطائفية والقبيلة والطبقة الاجتماعية؟
«إن أكثر ما يؤلم الإنسان حقاً هو الموت على أيدي من يُقاتل من أجلهم»، هذه كانت كلمات «تشي جيفارا» حين ألقي القبض عليه بعد أن وشى به راعي غنم، وكانت حجّة هذا الراعي أن حروب جيفارا تسبب ذعراً للمواشي.
وما يؤلمنا اليوم حقاً أيضاً هو إلقاء القبض على أفكارنا وأقلامنا والوشاية بالطامحين نحو التحرر من التخلف على أيدي رُعاة السياسة، فنحنُ نسبب ذعراً لقطيع من الناس يمشون خلفهم نحو المسلخ، ولم تنفع صيحاتنا لهم بأن الراعي لا يُريد زرع الحقول وتزيينها، بل يعمل على بيعهم لمن يدفع أكثر.
لقد أوصت الأمم المتحدة في اليوم الدولي للتسامح، بتطبيق عددٍ من التوصيات، أهمها: سنّ التشريعات القانونية، وما أكثر قوانيننا الرنانة التي تُطبق على حسب الزمان والمكان والمناسبة والمتهم، كما أوصت بتشجيع الأطفال على التمتع بالانفتاح، عينك ما تشوف يا أُمم انفتاح أطفالنا، وهم يرددون خلف أولياء أمورهم ومعلّميهم المصطلحات الرجعية، فالسنّي «داعشي»، والشيعي «رافضيّ»، والمسيحي «كافر»، والفقير «مسكين»، وصاحب البشرة السوداء «عبد». ومن التوصيات أيضاً نشر المعلومات بشفافية كي يُميّز الناس بين الوقائع والآراء، «على الوقائع لم أجد شفافية في أغلب بلاد العرب سوى في واجهات المتاجر»!
التسامح نهج، وتربية، وثقافة، واستراتيجية وبصيرة.. سامح أعداءك، لكن لا تنسَ أسماءهم ولا أفعالهم. ومهما بلغ الخلاف ذروته، فـ «جادلهم بالتي هي أحسن».
