«دميان» هيسه: ما يجري في رأس الفتى الأوروبي الكافر

حسن داوود

يكاد لا يحدث شيء في رواية «دميان» لهيرمان هيسه. الفتاة، ثم المرأة، اللتان استوقفتا الشاب إميل سنكلير لم يحظ من أولاهما بموعد، ولا حتى فكّر هو في ذلك، أما الثانية، وهي تتجاوز أمَّه عمرا، فلم يحظ منها بقبلة روحيّة إلا في الصفحة الأخيرة من الرواية. كما لم تحدث حادثة في الرواية، حتى لو كانت خبرا محزنا أو لقاء غير متوقّع يدفع إلى تبديل مسار الوقائع الجارية تبعا له. ولنضف إلى ذلك إشاحة نظر الكاتب عن وصف الأمكنة، أو تعيينها، أو إقامة الربط بينها وبين حياة البشر المقيمين فيها. قرّاء الرواية الباحثون عادة عما يشوّق، لن يجدوا هنا حتى ما تحفل به الحياة العادية من تبدّلات. أما إن حدث ذلك، كأن يختتم الشاب علاقته بصديقه دميان، فإنه سيعود ليلقاه بعد مضيّ سنوات، ليستأنفا ما كانا بدآه.
أن كل شيء في الرواية يجري في داخل رأس إميل سنكلير. أما الحياة في الخارج فلا تفعل شيئا غير إطلاق الإشارات لتحفيز ذلك الداخل على أن يبدأ بالعمل. وهذه الإشارات ليست كثيرة على أيّ حال، بالنظر إلى قلّة الاتصال بالخارج الموصوف أعلاه. ولنضف إلى ذلك أن المسيرة الفكرية لسنكلير، وهي موضوع الرواية، لا تشهد تقلّبات ولا تتبدّل. هي سيرة واحدة متصّلة، ذاهبة قدما بما يشبه الخطّ المستقيم. الاتصال بالآخريْن، وهما دميان والصديق الآخر العازف الموسيقي الذي تعرّف إليه سنكلير في ما بعد، لم يعملا إلا على استبدال القلق بالوضوح الذي كان بدأه سينكلير بنفسه. أي أنهما أوصلاه، مرة بعد مرّة، إلى مراحل الانسجام مع الذات التي ينشدها.
في صباه، وهو يعيش مع والديه (حيث لا أخوة ولا أخوات، ولا رفاق في الجوار) كان قادرا على تصنيف العالم بين النور والظلام. النور هو الفضيلة وأساسها انسجام الصبي مع ما يريده له أهله. أما الظلام فهو كل ما يُغري به الخارج بالسرّ عن إرادة الأهل. في السنوات التي أعقبت إدراكه لهذا التصنيف كان سينكلير يتقلّب، أو يتذبذب بين هذا الخيار وذاك، فيسقط في الظلام عاصيا أهله بإسرافه في الشراب والتغيب عن الدروس في المدرسة الداخلية التي أودعاه فيها، غير أنه لن يلبث بعد حين أن يرتد إلى امتثاليته ورشده. لكنه دائما في حاجة إلى من يلهمه أو يأخذ بيده.
دميان، الذي تحمل الرواية اسمه، كان ملهمه الأول. وهو يصفه في الرواية مختلفا عن كل الآخرين، مزيجا من الرجولة المتمكنة ومن شيء يقرب من الأنوثة في الوقت ذاته. وهذا التداخل، أو التناقض، يسم كل من عرفهم الفتى في ذلك الجزء من حياته. كل منهم متداخل ومازج لنقائض تبديه عصيا على تحديد شكله الخارجي. ربما من أجل أن يجري تركيزنا، نحن من نقرأ، على ما سيقوله مساعدا الفتى الحائر المضيّع وهو في طريقه إلى هدايته.
دميان، صديقه وملهمه الأول، وافقه على ما كان يعتقده من أن النفس البشرية مصنوعة من الخير والشر كليهما، وأن الشيطان، المرذول عادة، هو نصفنا، أو نصف كل واحد منا. ولذلك ينبغي ألا يوضع في منزلة الذمّ والسخط التي وافقنا على أن يوضع فيها. وقد أهداه دميان إلى تلك الكلمة التي كان عليه أن يسأل ويمعن التفكير ليتمكن من بلوغ معناها: «أبراكساس»، التي قالها دميان على نحو ما يمرّر عقائديّ متحزب سرّ عقيدته إلى مُريد اصطفاه. وهو أوضح له في ما بعد شيئا من تلك العقيدة «..عليك أن تختلق لنفسك ربّاً يحتوي على الشيطان أيضا»، قاصدا إلى أن يكون ربّنا جامعا لنصفينا معا، حيث أن أحد هذين النصفين (الشيطان) هو جزء من الدنيا، لكنه مع ذلك «يُخمد ويُقمع».
وفي القسم الأخير منها تفاجئنا الرواية بأن يتحوّل بعضها إلى شيء آخر غير الأزمة الفكرية لشخص واحد هو بطلها إيميل سنكلير، لتكون معبّرة عن أزمة وعي عامة لشباب أوروبا. هنا ينزل الصديقان إلى العالم الواقعي فيريان أن مجتمع أوروبا «مكون من أناس خائفين من المجهول الذي بداخلهم. يشعرون بأن الأسس التي يعيشون وفقها لم تعد صالحة، فلا دينهم ولا أخلاقهم في اتساق مع حاجات الحاضر». لم تولِ أوروبا الجانب الروحي الاهتمام الضروري لما هي في أمسّ الحاجة إليه: «منذ مئة عام لم تفعل أوروبا شيئا سوى دراسة المعامل وبنائها. إنهم يعرفون كم غراما من البارود يتطلّب لقتل إنسان لكنهم جاهلون بكيفية الصلاة إلى الإله».
فقط هنا، في الجزء الأخير منها، «تنتعش» الرواية بالمعنى العادي أو السردي لتصير خطابية حينا ونبوئية بذهاب أوروبا إلى الحرب. أما حدثيا فبانضمام دميان إلى العسكر المحارب، فيُقتل، تاركا صديقه يتخبط بروحانيته التي لا نعرف إن كانت الحرب قد صحّحت الأخطاء التي، حسب دميان، كانت قد قامت من أجلها.
رواية هيرمان هيسّه «دميان» صدرت عن دار «مبتدأ» في 195 صفحة، بترجمة عمر مهدي، 2017. سبق أن ترجمت إلى العربية روايات أخرى لهيرمان هيسّه الحائز سنة 1946 جائزة نوبل. بين هذه الروايات المترجمة «ذئب البوادي» و«لعبة الكرات الزجاجية»

٭ روائي لبناني

قد يعجبك ايضا