“العلاج بالصدمة “والتوظيف السياسي لن يمّر

بقلم الدكتورة ردينة العطي
لقد ألمت بي خلال الأيام الثلاثة الماضية نوبة مرض أجبرتني على الغياب عن مسرح الأحداث والتي شهدت حراكاً أردنياً سمته العامة شمولية وخاصة للدور الفاعلي للنقابات ، ومؤسسات المجتمع المدني ترفض من خلاله حزمة الإجراءات الحكومية والتي مست القوت اليومي للمواطن الأردني من خلال محاولة رفع أسعار الوقود وتمرير قانون ضريبة الدخل في نسخته الحالية والذي يعتبر قانوناً لا يمكن أن يصنف إلا في خانة الجباية ، وقد نوهت في مقالاتي السابقة حول خطورة تمادي الحكومة في الضغط على جيوب المواطنين وقلت أيضا أن ذلك سيؤدي إلى خروج الشارع بشكل قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار المجتمعي وقلت أيضا أن تعليق الإجراءات الحكومية الموجهة لجيب المواطن على شماعة الموقف السياسي ، وموقفنا من القدس وضغط اللاجئين وغير ذلك من إسطوانة مشروخة (مّل) المواطن سماعها من تكرارها .
بكل بساطة ووضوح إن كل تلك الظروف هي عامل ضاغط حقيقي على جيب المواطن ولكن البدائل عن تلك الإجراءات قد لخصها جلالة الملك عند عودته إلى أرض الوطن بأختصار شديد عندما قال إن على الدولة بكل مؤسساتها أن تضغط من أجل الترشيد الحقيقي وهنا (حقيقي للنفقات ) وقال جلالته أيضا إن الضرائب يجب ان توازن بين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين وحجمها.
ونوه جلالته أيضا إلى توسيع صلاحيات المحافظات عندما قال تمكين مجالس البلدية ومجالس المحافظات لتحسين الواقع التنموي والخدماتي ، والأهم هو عندما نوه جلالته ألى أن الاعتماد على الذات لا يعني مجرد فرض ضرائب .
كل تلك الفوضى التي سارت عليها الحكومة والتي أدت إلى تشويه حقيقي ناصع للبرزخ الوهمي الذي كان يفصل بين الطبقة الفقيرة والوسطى ، هذا بالضبط ما أشعل الشارع .
إن هذا كله يمكن فهمه وأستيعابه بوصول جلالة الملك وطلبه من الحكومة ومجلس النواب والنقابات والمؤسسات بأن تقود حوارا وطنياً شاملاًوعقلانياً للوصول إلى صيغة توافقية حول مشروع قانون الضريبة بحيث لا يرهق كاهل المواطن البسيط ويحارب التهرب ويحسن كفاءته التحصيلية.
إذن نفهم هنا بأن هّم جلالته يكمن بالنأي بالطبقتين الوسطى والفقيرة عن ذلك الاستحقاق وأن يركز القانون بتعديلاته القائمة على تحسين كفاءة التحصيل ومحاربة التهرب .
بالطبع هذا ما يريده جلالة الملك من القانون المقترح.
إن جلالة الملك قد أعاد التذكير بأنه لن يقبل الحلول التي تستهدف جيوب المواطنين بالنسبة للحكومة ، أما الجانب الأكثر خطورة هو رفع مستوى وسقف المطالب الشعبية لتتجاوز الهدف الرئيسي للحراك للوصول إلى ما يطرح بالشارع وفي مواقع التواصل الاجتماعي وما تتبناه بعض القوى السياسية من أجل حل الحكومة وحل مجلس النواب وتشكيل حكومة إنقاذ وطني!!
والتي لا تتشكل إلا في ظل ظروف إستثنائية من حيث تهديد الدولة الأردنية بكاملها ، وذلك لأن هذه الحكومات تتشكل في ظل حالة الطوارئ ويتطلب قانون طوارئ أيضا.
إي قوانين عرفية وهذا لن يقبله بطبيعة الحال جلالة الملك مطلقا.
إن رفع سقف المطالب وعدم التهدئة لحين خروج الحوار الوطني الذي دعى له جلالته يضع علامات إستفهام كبيرة جدا وخاصة إن هذا التطور جاء بعد أن رفض الأردن رفضا قاطعا لصفقتي القرن.
إن الأردن في تلك الحالة وكما نوهت سابقا سيتعرض لهجوم على جميع الجبهات من أجل ضرب جوهر قوة الأردن وهو تماسك جبهته الداخلية وحصانتها ، فهو في تقديري بأن هناك كثير من المتآمرين على هذا الوطن من الخارج من دول الإقليم و دول عربية والولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفهم الصهاينة.
من هنا يجب أن يبرز التخوف المقرون بالوعي الوطني من أجل أن لا يوظف هذا الحراك ذو المطالب المشروعة والحقيقة والمعاشية لصالح الابتزاز السياسي وهذا التخوف تعمق لدي شخصيا عندما استعرض بعض مواقع التواصل الاجتماعي والذي كان يغرد فيها بعض العرب ، جاء في مضمونه بأن الأردن سيخضع عاجلا أم آجلا لوجهة النظر التي تتماشى مع صفقة القرن وأنه بدون دعمنا لا يستطيع النظام السياسي الأردني
أن يصمد أل ٢٤ ساعة .
هذا ما قرأته عبر وسائل التواصل الاجتماعي
هنا أتوقف للحديث بكل جدية وحزم بأن أطلب من الحكومة أولا أعادة النظر في كل الإجراءات التي اتخذتها والتي أدت إلى رفع الأسعار.
وأطالب أيضا بالحذر والوعي الشديد حيال ما يمكن أن يوظف لصالح ضرب الاستقرار الداخلي تحت شعار أسقاط الحكومة وحل مجلس النواب وتشكيل حكومة إنقاذ وطني.
إن مصلحة الوطن العليا تتطلب توحيد الأهداف والشعارات والحراك ومركزيتها فقط حول القضايا المعيشية للمواطن وليس الذهاب إلى المطالب التعجيزية مثلما ذكرته أعلاه.
رغم أنني على قناعة مطلقة بأن سبب الحراك الرئيسي يكمن في ضعف الثقة بين المواطن والحكومة ومجلس الأمة بشقيه لأن المواطن أعتبر أن إحالة هذا القانون إلى هذا المجلس لن يلبي طموحات المواطنين كافة ولذلك أخذ زمام المبادرة.

حمى الله الأردن
عاشت وحدتنا الوطنية
عاش الشعب الأردني العظيم
بقيادة سيدي جلالة الملك المفدى.

قد يعجبك ايضا