الوضع المالي المتأزم للسلطة ما بين الحلول الهزلية والجديّة… والخروج من الأزمة

بقلم د. تيسير فتوح حجة ….

الأمين العام لحركة عدالة
في ظل الواقع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه السلطة الفلسطينية، لم يعد الحديث عن أزمة مالية مجرد توصيف مرحلي، بل أصبح واقعاً مركباً يعكس خللاً عميقاً في بنية الإدارة المالية والسياسات الاقتصادية المتبعة. أزمة تتكرر، تتفاقم، ويُعاد إنتاجها بذات الأدوات… وكأننا ندور في حلقة مفرغة بلا أفق واضح للخروج.
المشكلة لم تعد فقط في نقص الإيرادات أو تأخر أموال المقاصة، بل في غياب الرؤية الاقتصادية الوطنية الشاملة، واستمرار الاعتماد على حلول ترقيعية تُطرح كل مرة تحت مسميات مختلفة، لكنها في جوهرها لا تتجاوز كونها “مسكنات مؤقتة” سرعان ما تفقد فعاليتها.
ما يُطرح أحياناً من إجراءات، مثل الاقتراض المتكرر، أو تحميل المواطن أعباء إضافية عبر الضرائب والخصومات، أو تقليص الرواتب، هو في نظر المواطن حلول هزلية لا تمس جوهر الأزمة، بل تزيد من تعقيدها وتُعمّق فجوة الثقة بين الشارع وصانع القرار.
إن الأزمة المالية الحالية هي نتيجة تراكمات طويلة من سوء الإدارة، وضعف الرقابة، وغياب الشفافية، إلى جانب الارتهان الكبير للقرار الخارجي، خاصة فيما يتعلق بالإيرادات والتحويلات المالية. وهذا الواقع يتطلب مواجهة حقيقية، لا مجاملة فيها ولا تأجيل.
من هنا، ترى حركة عدالة أن الخروج من هذه الأزمة لا يمكن أن يتم عبر نفس الأدوات التي أوصلتنا إليها، بل يحتاج إلى تحوّل جذري في النهج الاقتصادي، يقوم على عدة مرتكزات أساسية:
أولاً: إعادة بناء الثقة مع المواطن، من خلال الشفافية الكاملة في إدارة المال العام، ووقف الهدر، ومحاسبة كل من تورط في الفساد أو سوء الإدارة.
ثانياً: تعزيز الإنتاج المحلي، والتحرر التدريجي من الاقتصاد الريعي، عبر دعم القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة والصناعة، وخلق بيئة استثمارية حقيقية.
ثالثاً: إصلاح النظام الضريبي، ليكون عادلاً ومنصفاً، لا يثقل كاهل الفئات الفقيرة والمتوسطة، بل يعزز العدالة الاجتماعية.
رابعاً: الانفكاك الاقتصادي التدريجي عن الاحتلال، باعتباره أحد أهم أسباب الاختلال المالي، والعمل على بناء أدوات اقتصادية سيادية قدر الإمكان.
خامساً: وقف سياسة الترقيع المالي، والتوجه نحو خطط استراتيجية طويلة المدى، قائمة على الاستدامة لا الاستهلاك.
إن استمرار التعامل مع الأزمة بعقلية “إدارة الأزمة” بدل “حل الأزمة”، سيقودنا حتماً إلى مزيد من التدهور والانهيار المالي والاجتماعي.
اليوم، نحن أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في نفس النهج، وما يحمله من مخاطر حقيقية على مستقبل شعبنا، أو اتخاذ قرارات جريئة ومسؤولة تعيد تصويب البوصلة نحو اقتصاد وطني مقاوم وعادل.
ختاماً، تؤكد حركة عدالة أن كرامة المواطن ليست بنداً قابلاً للتقليص، وأن العدالة الاجتماعية ليست شعاراً، بل حق يجب أن يُترجم إلى سياسات حقيقية تلامس حياة الناس.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا