افتراضاتُ محمد خضير نحوَ مرحلةٍ قَصَصيةٍ جديدة

خالد علي ياس

لقد كان ميخائيل باختين محقا، عندما أكد في كتابه الشهير «الحوار الروائي»، على أن القصة نوع سردي دائم التطور والتحول عبر الزمن، ويعود هذا ـ كما يرى ـ إلى قدرتها العالية على إبقاء الصلة الوثيقة بتحولات العالم الخارجي، ما جعلها حتما منتمية للزمن الذي تعاصره، ولاسيما في ما يخص الحياة اليومية للأفراد، وهذا أمر دقيق وذو دلالة كبيرة على التحولات الكبرى، ليس لعالم القاص ورؤيته للعالم فقط، بل أيضا لقدرته على تشكيل أدواته وتغييرها بحسب الشرط الجمالي والثقافي والمعرفي، الذي يستوجب بتأثيره التحول من مرحلة فنية إلى أخرى مغايرة.
ولعلي لا أكون مُجانبا للصواب، إذا قلتُ إن عالم القاص محمد خضير ينتمي لهذه التحولات المعرفية بقوة ووضوح، منذ ظهور القصص الأولى فيه ولغاية آخر نصين نشرا، وهما «جرافيتي 2042»، و»منطقة الأفلام»، وقد نشرا تحت عنوان موحد يجمعهما من حيث البنية والدلالة هو «قصتان من تحت الأرض»، ويبدو أن خضير في هذين النصين/القصتين، بدأ فعلا بتجريب مرحلة جديدة مغايرة من تأريخه الأدبي في الكتابة، إذْ لا يخفى عن المتابع لأعماله منذ «المملكة السوداء» مرورا بـ»في درجة 45 مئوي»، أنه أدرك الواقع بأسلوب مغاير يحكي شيئا عنه لا منه، ضمن ما أُطلِق عليه وقتها بالواقعية الجديدة، المغايرة لواقعية الخمسينيات، غير أنه لم يلبث طويلا حتى طوّر وعيه مرة أخرى، برؤية تجريدية للواقع النصي، رؤية تفترض نمطا سحريا من غرابة الكتابة الذاتية، كتابة ولدت حقا منذ رائعته القصيرة «الصرخة» وتكللت بانفتاح غير محمود أحيانا، على تجربة الواقعية اللاتينية المعروفة بالواقعية السحرية، التي تمثلت بمجموعته «رؤيا خريف»، ولاسيما ضمن نصوص مثل: «رؤيا البرج» و»صحيفة التساؤلات» و»داما دامي دامو» وغيرها، كونها تُعَدُ فعلا التربة الخصبة التي نمتْ فيها بذرة هذه المرحلة الجديدة.
لذا أقول: بدأ بتجريب مرحلة جديدة تمظهرتْ في انفتاحه المعرفي على افتراضات الواقع الصناعي وفتوحات أدب الخيال العلمي ،وأدب الديستوبيا، بمعنى أنه متأثر بما يسمى ضمن مصطلحات أدب الخيال العلمي بـ(أدب الكوارث وما بعد الكوارث) وما يتخلف عنها من آثار، و(أدب المدن الفاسدة) التي هي خلاف مدن اليوتوبيا الحالمة، حيث الحديث عن مجتمع خيالي يسوده الخوف والرعب والغموض، نتيجة تحول علمي في طبيعة الأشياء المكونة لأساسيات هذا المجتمع، ما يؤدي حتما لحالات متلاحقة من التحول في طبيعة الشخصية وموقفها من العالم والوجود الإنساني عموما، ليغدو ذلك نقدا رمزيا لعواقب سلبية محتملة في الواقع الحقيقي.
ففي قصة «جرافيتي 2042» يتبنى أسلوب التنبؤ العلمي بالمستقبل، وموضوعه الأثير الذي كثيرا ما عالجته روايات الخيال العلمي والأعمال السينمائية المأخوذة عنه، وهي الكوارث الطبيعية الناجمة في المستقبل نتيجة لتحول علمي معين، والحقيقة لم يكن هذا الأمر بعيدا بشكل تام، عن تلك الواقعية الهادئة التي عرفت بها كتابات هذا القاص المتجدد، فقد اختار كما سبق أن فعل في قصص سابقة، أنموذجا إنسانيا شديد التداولية في واقعنا الاجتماعي، هو شخصية ساعي البريد بهيئته وأفكاره وانتمائه للفئة الاجتماعية الوسطى، وعمله المعروف بتراتبية قاتمة تتلخص بخروجه اليومي لتوزيع الرسائل، غير أن المغايرة تتحقق في السرد بوقت مبكر بحثا عن مفارقة واضحة لأسلوب الحكاية الواقعية المعروف، مع بقاء الرؤية التراجيدية للعالم، الرؤية التي نمت منذ «المملكة السوداء» وما زالت تحتلُ مفاهيم الكتابة لدى القاص، وكأنها روح صوفية أصيلة لا تكاد تفارقه، أقول: إن المغايرة تتحقق بوقت مبكر من خلال كلام راوي القصة وبطلها، وهو يرصد سبب عدم استلام الرسائل من قبل أصحابها «ظلت رسائلهم جاثمة في صندوق البريد مدة ثلاثين عاما، تغيرت خلالها المدينة وسكن أهلها تحت الأرض، بعد أن ارتفعتْ درجات الحرارة وفاق أوارها طاقة الاحتمال البشري وشحت المياه السطحية»، وكما هو واضح من المقطع السردي السابق، فقد اعتمد القاص في ثيمة حكايته على النتائج العلمية لجشع الصناعة وسلبية التعامل مع نتائجها، التي تنذر بكوارث كبرى في المجتمعات، مثل ثقب الأوزون والتصاعد اللافت للحرارة وشحة المياه في العالم، وهي تعيد بقوة إلى ذهني رواية الخيال العلمي القصيرة، التي كتبها طالب ناهي الخفاجي «بداية بعد نهاية»، ولاسيما أن النصين ينطلقان من فكرة علمية واحدة، هي اعتماد ارتفاع درجة الحرارة باعثا لتطور الأحداث، وتصوير ظاهرة الكوارث إطارا عاما لذلك، مع أن نص خضير لم يغادر واقعيته المعهودة برمزيتها وتجريدها وشخوصها المألوفين، حيث موظفُ البريد ودراجته ومآرب المدينة ومقابرها وشوارعها وإعلاناتها ورساميها، لذا يتبنى ـ النص- لغة هجينة على مستويين، أحدهما يحقق درجة الكتابة الواقعية المعروفة عند القاص، والآخر يحقق درجة كتابية مغايرة، كونها تتمثل الفانتازيا العلمية، ما أضفى على القصة نمطا من السيميائية الاجتماعية المعبرة، عن حالة خاصة تدل على وضع سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي معين، كما في تأكيد الراوي على حالات مثل: الأنفاق الأرضية وإعلانات الوفيات والمواليد الجدد والزواج ومسابقات رسوم الجدران، ولعل اللوحة السريالية شديدة التجريد، التي ارتبط عنوان القصة بها، يدل على تلك الروح التراجيدية التي خيمت على السرد بفعل سيميائي واضح: «رأيت صديقي الرسام… منهمكا بإكمال لوحته الجدارية التي تشخص كائنات بشرية تسرع الخطى، على أرض متشققة، جرداء مترامية الأطراف، يبدو الهلع والظمأ على وجوهها، يغوص بعضها حتى منتصفه في حُفر، بينما يهم البعض الآخر بقذف نفسه في فوهات الأنفاق الفاغرة السواد. وفي أطراف مساحة اللوحة الجرداء سقط آخرون وتبعثروا تحت وهج الشمس».
أما قصته الثانية «منطقة الأفلام» فهي تتخذ أسلوبا افتراضيا مغايرا في تذويب الواقع والعمل على منطقة ما وراء الواقع، مع التزامها بالثيمة ذاتها (الارتفاع المفرط لدرجات الحرارة)، فهي تفترض بسرد ذاتي للبطل وجود منطقتين في المجتمع البشري ما بعد الكارثة، «منطقة الأفلام» وهي معنية بأحداث تقع وتؤرشف سينمائيا، بوصفها تأريخا لما يحدث فعلا، أما «منطقة الأحلام» فهي معنية بمفارقة التأريخ والغوص بما يشبه الذاكرة الذاتية للسرد والمجتمع، بما يطبع ويثبت في المنطقة الأولى على شكل أفلام تصنع وتخزن تحت الأرض، وما تقديمها للقارئ إلا مجرد انثيالات ذاتية أشبه بالمذكرات لشيخ بلغ الخامسة والستين، يحكي تجربته في هاتين المنطقتين، فالقصة تشتغل بقوة وذكاء على مستوى الميتا تأريخ، من خلال خرق الواقع المباشر، بما فيه من أحداث تأريخية تم تحويلها إلى علامات دالة عليه، وافتراض ذاكرة وتأريخ ومجتمع مغاير لكل ما هو واقعي مباشر، والعمل على بناء حكاية سردية جديدة ميتا تاريخية، تعبر عن هذا العالم المتخيل، الذي تتركز فيه فكرة صناعة فلم يتحدث عن زراعة أصيص نبتة نادرة، أحضرت من أحد البلدان الإفريقية، ومما يلاحظ في القصة أنها تعتمد العالمين السفلي والفوقي، تلك الثيمة المستعارة من الكوميديا الآلهية أو حتى ملحمة الأوديسا الشهيرة، وقد ترسخت في عالم خضير منذ «المملكة السوداء»، فضلا عن تلك الممرات والمتاهات الغريبة التي تجد ملاذها الكبير في عالم بورخس القصصي، ما منح القصة تجريدها العالي وابتعادها درجات عن الواقع المباشر مع عدم نكرانها له بشكل مطلق، «يقال اليوم إن تأريخنا هو سلسلة أفلام محفوظة، بطلها شعب لا يكف عن الحركة والصراع، وقد يظن شخص أن وجود المنطقتين يجب أن يكون معكوسا، لكن لا أهمية لهذا الترتيب حقيقة».
ما وصفته في بدء هذه المقالة بمرحلة جديدة في رؤية القاص محمد خضير للعالم، هو في حقيقة الأمر يمثل التحول الثالث في تجديد المفاهيم والقدرة على إدراك الحدث وتمثيله بأسلوب مغاير ومنهج ينزع بالضرورة لرصد المشهد السردي المعاصر، لما سبق أن قدمه وقد تم رصده وتحليله والإشارة إليه من قبل نقاد كبار، لعل أقربهم لعالم هذا القاص، الناقد شجاع العاني، الذي حلل بعمق كبير مرحلته الأولى (الواقعية الجديدة)، مشيرا لمرحلته الثانية (الواقعية السحرية) التي ما زالتْ حينها في بدئها، وها هو محمد خضير يجرب مرحلته الثالثة (الواقعية الافتراضية) بمهارة لا تقل عن سابقتيها، من خلال القصتين اللتين تناولتْهما هذه المقالة، إلا أنه لا يزال الوقت مبكرا للقول بمدى قدرة هذه المرحلة على الاستمرار والتأثير، وهو أمر مرهون بما سيكتبه هذا المبدع لاحقا.
ناقد وأكاديمي عراقي

قد يعجبك ايضا