قسد مثال عابر الوطنية
د. ماجد الخواجا …..
منذ بداية الثورة السورية في شهر اذار من عام 2011، برزت تنظيمات ذات طابع عسكري وامتدادات خارجية عابرة للحدود ومنها ما سميت بقوات سوريا الديمقراطية، تنظيم عسكري قام ذات غفلة وطنية مستغلاً وهن الدولة والنظام المنشغل في حماية نفسه بكافة الوسائل، ومقتطعاً مساحات واسعة من أرض سوريا الطبيعية مع توفير غطاء حماية ومظلة دولية وخاصةً الأمريكية منها. مع انتهاز تمدد تنظيم داعش وإعلانه قيام الدولة الخاصة به والممتدة ما بين شمال وشرق سوريا وشمال وغرب العراق هادمةً الحدود بحيث أصبح تحت سيطرتها مساحات واسعة من العراق وسوريا. ومع الانتهاء من تنظيم الدولة وإعلان هزيمته، فقد ترك خلفه مساحات كبيرة من الأراضي السورية الخالية من تواجد النظام السوري، باستثناء التواجد العشائري بأسلحتهم الفردية، مما مكّن تنظيم قسد الاستيلاء الكامل لتلك المناطق والمدن والتجمعات البشرية التي ترجع لمكونات غير كردية وبأكثرية عربية. وحيث أن التنظيم عبر سنين الحرب والثورة السورية، كان يعطي انطباعاً بأنه الحارس والضامن للمناطق التي يسيطر عليها، إضافة لتوليه مهام الاعتقال والاحتجاز لعناصر من داعش وأهاليهم، وتعددت المعتقلات في مناطق قسد والمكتظة بالمعتقلين ممن وسموا بأنهم دواعش، كما تم حجز النساء والأطفال في مخيمي الروج والهول لسنين طويلة باعتبارهم من ذوي الدواعش. طبعاً لا محاكمات حقيقية ولا شواهد مؤكدة ولا شيء من حقوق الإنسان التي تطمئن الوجدان بصحة ما يجري في تلك المناطق. فالعالم منشغل بتعقّب داعش، وقسد منشغلة ببناء الأنفاق الممتدة تحت الأرض والتي شاهدنا بعضاً منها وكأنها مدن كاملة صالحة للعيش لعشرات الالاف من البشر مع بنية تحتية ومرافق وتجهيزات تجعلها في حالة اكتفاء ذاتي عن ما يجري فوق الأرض.
هكذا وجدت قسد نفسها أنها تمتلك السلطة والمقدرات بحيث أصبحت ثلاثة أرباع الموارد السورية من النفط والماء والسدود والأنهار والكهرباء والزراعة بيد قسد. وتذرعت بمقولة تشبه مقولات صهيون بأن أرض قسد حيث تطأ اخر قدم لكردي، فوجدناها في جرابلس ومنبج وعين العرب والشدادي وعفرين والطبقة، وأحياء من حلب وإدلب، والمسوّغ فقط وجود كرد في تلك البقع الجغرافية المتناثرة بين تجمعات بشرية ذات غالبية عربية، لا بل واصلت الهيمنة في مناطق ومدينة الرقّة ودير الزور ذات الجغرافيا والديمغرافيا وذات الأصول العربية.
موارد استراتيجية من حيث وجود نهر الفرات ونهر دجلة الحدودي ونهر الخابور وبعض الأنهر والديان دائمة الجريان، وسد الفرات في الرّقة الذي يحتجز ما يقارب 11 مليار متر مكعب من المياه في بحيرة طولها 45 كم، سد تشرين في عفرين، سد الحسكة، سد الخابور، سد الساجور، سد السفان، سد المنصورة.
سيطرت ما سميت بقوات سوريا الديمقراطية ” قسد” التي تشكل القوات الكردية نحو نصفها على نحو ثلث مساحة سوريا الواقعة في مناطق شمال سوريا وشرق نهر الفرات بعد استعادتها من قبضة ” داعش “. كما سيطرت على نحو 90% من الثروة النفطية بالإضافة إلى 45% من إنتاج الغاز.
لقد ساهم النظام المخلوع في تمكين قسد من بسط سلطتها وسيطرتها لأبعد مسافات ومقدرات. واستناداً لتوافقات وتوازنات بين روسيا وإيران والنظام السوري من جهة، وبين أمريكا وتركيا وحلفائهما من جهةٍ ثانية. فقد أصبحت المناطق الخاضعة لتنظيم قسد جزءاً من الحماية للتحالف الغربي.
بذريعة القضية الواحدة لشعب وأمة كردية واحدة، فقد فتحت الساحة والمساحة لتنظيم بي كي كي الكرد تركي، وتغلغل في مناطق الشمال شرق السورية. مع إمكانية الحركة الواسعة في أراضي كردستان العراق والتي يتواجد في قمم جبال قنديل ويحتمي بها عناصر البي كي كي،
إن هذا التنظيم لم يكن منذ نشأته قابل للصبغة الوطنية السورية، فهو تنظيم عقائدي قومي، يحمل ويتمثّل الفكر الخاص بقائدهم عبد الله أوجلان، هذا القائد الذي أعلن تخلّيه عن فكرة المقاومة المسلّحة وطلب من عناصر التنظيم الكردي في تركيا تسليم أسلحتهم للدولة التركية، وقبولهم بالمواطنة التركية والوطن التركي الواحد.
لكن تنظيم قسد واصل تبنيه لفكر أوجلان الكردي العلوّي النصيري بلبوس شيوعي، فكر توسّعي عابر الحدود الوطنية. ومدافع عن الفكرة والبذرة القومية الكردية باعتبارها أمّة واحدة تم تجزئتها بين العراق وتركيا وسوريا وإيران. فهو تنظيم لا يؤمن بالوطنية السورية ولا بالدولة ذات السيادة والحدود المتعارف عليها. ولا بفكرة المواطنة والمطالبة بالتحرر والديمقراطية داخل الوطن الواحد، إنه تنظيم بجذور عقائدية وقومية وعابر للحدود الوطنية.
تنظيم حفر تحت الأرض بعشرات الأمتار وبامتدادات لعشرات الكيلو مترات، بكلف مليارية، فيما كانت بنية المدن وقراها متهالكة محطّمة، بدون مقوِّمات الحياة الأساسية. بلا كهرباء أو شوارع أو أية احتياجات أساسية للعيش. ومن يشاهد مدناً مثل الرّقة ودير الزور وغيرها مما ينتباها من هوان وانعدام للبنية التحتية والمرافق الأساسية، ليتساءل البعض ما الذي منع قسد من تحويل الحسكة لتصبح في سوية أربيل أو دهوك أو السليمانية، وهي التي تحكمها منذ سنة 2014، وشهدت هدوءاً وعدم توريطها في الحرب السورية التي دمرت البلاد والعباد.
تنظيم يؤمن بالتعاون مع شياطين الإنس والجّن في سبيل غاياته ومصالحه، فقد ارتمي في حضن الأمريكي والصهيوني والنظام المخلوع والإيراني والحشد العراقي وربما مع التركي أيضاً في مواقف ولحظات مفصلية تطلبت ارتهانات محددة. إنه يسخّر ويبرر أية وسيلة من أجل تحقيق الغاية.
الحديث طويل عن هذا التنظيم الذي اختطف الورقة الكردية وهي ورقة لها حقوقها وعليها واجباتها ضمن إطار المجتمع والوطن الواحد، لها حقوق مدنية وسياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية بحسب نسبة عديدها من إجمالي عديد المواطنين السوريين. لقد وصل الكرد لأرفع المناصب ومنها منصب رئيس الجمهورية، فقد استلم الرئاسة أربعة شخصيات كردية. أبرزهم محمد علي العابد أول رئيس للجمهورية السورية وحسني الزعيم صاحب أول انقلاب عسكري، فوزي سلّو، اديب الشيشكلي، واستلم الكردي عطا الأيوبي رئاسة الجمهورية سنة 1943، ورئاسة الحكومة سنة 1936، ومحسن البرازي رئيسا للحكومة، محمود الأيوبي، ومحمد مصطفي ميرو. وكيف لا نذكر إبراهيم هنانو أحد أبرز قادة الثورة ضد الانتداب الفرنسي، وخالد بكداش مؤسس وزعيم الحزب الشيوعي السوري، وقدري جميل زعيم جبهة التغيير والتحرير.
لم يكن الكرد خارج المشهد الاجتماعي والسياسي لما يجري في سوريا، وكانت حالتهم حالة المواطنين جميعاً من حيث شظف العيش والفقر وأية جوانب اجتماعية سائدة.
ومشهود للكردي رجولته وشراسته وصموده في القتال والمواجهات. لكن ثمة ماكينة إعلامية موجهة تضخُّ طيلة الوقت الضغينة والفرقة واعتبار العرب عدوهم التقليدي، وأن هناك حلم كردي ينبغي لكل كردي حمله والمتمثل في الوطن الكردي الحلم الكبير الممتد جغرافيا من الخليج العربي شرقاً وبحر قزوين شمالاً، والبحر الأبيض غرباً وصولاً لبادية الشام وصحراء الأنبار.
إن قسد لم تكن ذات يوم تقدّم نفسها كأحد الحلول لسوريا الوطن الواحد، بل كانت تقدم الحالة الانفصالية والسطو الجغرافي والهيمنة الاجتماعية بذرائع متعددة الأشكال والألوان. وما بين مدن الأنفاق وقمم جبال قنديل تمت سرقة القضية والمشروع والحلم الكردي لمجموعات انتهازية عاشت وعاثت فساداً وإفساداً في سبيل مواصلة السيطرة في المناطق الكردية. ولنا عودة
الكاتب من الأردن