فادي السمردلي يكتب:إعادة هيكلة استثمارات الضمان نحو نموذج الصندوق السيادي وتعظيم العائد
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
تشهد بيئة الاستثمار المؤسسي في الأردن تحولات متسارعة تفرض إعادة تقييم جذرية لطريقة إدارة الأصول الكبيرة التي تديرها المؤسسات العامة، وفي مقدمتها المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي فمع تضخم حجم الأصول المتراكمة عبر السنوات، وتزايد الالتزامات طويلة الأجل تجاه المشتركين والمتقاعدين، بات من الضروري الانتقال من نموذج استثماري تقليدي إلى نموذج أكثر تطوراً يشبه في بنيته وإدارته عمل الصناديق السيادية الحديثة.
الفكرة الأساسية هنا لا تقوم على تغيير طبيعة المؤسسة أو دورها الاجتماعي، بل على تطوير آلية إدارة استثماراتها بما يضمن تعظيم العائد ضمن إطار مخاطر مدروسة، وتوسيع قاعدة الأصول المنتجة، وتقليل الاعتماد على مصادر دخل محدودة أو منخفضة النمو فالصندوق الذي يدير مليارات الدنانير من أموال المشتركين لا يمكن أن يُدار بمنطق المساهمة التقليدية فقط، بل يجب أن يتحول إلى لاعب استثماري فاعل يمتلك رؤية استراتيجية واضحة.
أحد أبرز التحديات الحالية يتمثل في التركز الاستثماري، حيث تذهب نسبة كبيرة من الأصول إلى أدوات تقليدية مثل سندات الخزينة أو المساهمات في مؤسسات مالية قائمة صحيح أن هذه الأدوات توفر درجة من الاستقرار والعائد الثابت، لكنها في المقابل تحدّ من إمكانية تحقيق قفزات نوعية في العوائد، خصوصاً إذا ارتفعت نسبة الاعتماد على جهة واحدة أو قطاع واحد، مما يزيد من المخاطر النظامية المرتبطة بتقلبات السياسة المالية أو أداء القطاع المصرفي.
التحول نحو نموذج الصندوق السيادي يتطلب إعادة توزيع المحفظة الاستثمارية بشكل أكثر توازناً فالصناديق السيادية الناجحة عالمياً تعتمد على مزيج من الاستثمارات المباشرة في قطاعات استراتيجية، والمشاريع الإنتاجية طويلة الأمد، والاستثمارات الدولية المتنوعة، إلى جانب أدوات الدخل الثابت والأسهم فهذا التنويع يحقق هدفين رئيسيين الأول هو رفع متوسط العائد على المدى الطويل، والثاني هو تقليل أثر الصدمات الاقتصادية المفاجئة على إجمالي الأداء.
من زاوية أخرى، ينبغي تعزيز الدور الاستثماري الفاعل عند امتلاك حصص مؤثرة في بنوك أو شركات كبرى فالمساهمة في بنك تجاري، على سبيل المثال، لا يجب أن تقتصر على استلام نسبة من الأرباح السنوية، بل يجب أن تُترجم إلى تأثير حقيقي في سياسات التوسع، وإدارة المخاطر، وتطوير المنتجات، وتحسين كفاءة التشغيل فوجود مؤسسة بحجم الضمان كمساهم رئيسي يمنحها فرصة للمشاركة في توجيه الاستراتيجية المؤسسية لتلك الكيانات بما يحقق عائداً أفضل ومستداماً.
كما أن إعادة تقييم الاستثمارات في بعض القطاعات، مثل القطاع الزراعي أو القطاعات التشغيلية ذات المخاطر المرتفعة، أصبح أمراً ضرورياً فالاستثمار الناجح لا يُقاس فقط بحجم المشاركة المالية، بل بمدى تحقيقه لتدفقات نقدية مستقرة وقابلة للقياس، وقدرته على خلق قيمة مضافة حقيقية لذلك فإن أي توسع استثماري في هذه المجالات يجب أن يستند إلى دراسات جدوى متخصصة، وتحليل مخاطر شامل، وآليات متابعة أداء دقيقة.
عنصر الاستقلالية في اتخاذ القرار الاستثماري يمثل ركناً أساسياً في هذا التحول فتعزيز استقلال صندوق الاستثمار عن أي تدخلات خارجية أو توجيهات قصيرة المدى يضمن أن القرارات تُتخذ بناءً على اعتبارات اقتصادية بحتة، وليس وفق أهداف آنية أو ضغوط ظرفية فالاستقلال المؤسسي، مقروناً بالمساءلة والشفافية، يشكلان معاً الضمانة الحقيقية لحماية أموال المشتركين.
إلى جانب ذلك، تبرز أهمية تطوير الحوكمة الداخلية وتعزيز الإفصاح المالي فالممارسات الحديثة في إدارة الصناديق الكبرى تعتمد على نشر تقارير دورية توضح توزيع الأصول، ونسب التركز، والعوائد المحققة، ومقارنة الأداء بالمؤشرات المرجعية فهذا المستوى من الشفافية لا يساهم فقط في تحسين الرقابة، بل يعزز الثقة المجتمعية في المؤسسة ويحد من التخوفات المرتبطة بإدارة المدخرات التقاعدية.
كما أن تبني استراتيجية استثمارية طويلة الأجل تتجه نحو المشاريع الإنتاجية الكبرى، والبنية التحتية، والطاقة، والتكنولوجيا، يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة لزيادة العوائد وتنويع مصادر الدخل فهذه القطاعات تتميز عادة بقدرتها على تحقيق تدفقات نقدية مستقرة على مدى سنوات، مما يتماشى مع طبيعة الالتزامات طويلة الأجل التي يتحملها صندوق الضمان.
في المقابل، يجب الحفاظ على التوازن بين السعي لتعظيم العائد والحفاظ على مستوى مقبول من السيولة لضمان القدرة على الوفاء بالالتزامات الفورية فإدارة السيولة تمثل عنصراً حاسماً في أي نموذج استثماري ناجح، خصوصاً في مؤسسة تتحمل التزامات شهرية مستمرة تجاه المتقاعدين والمستفيدين.
إن إعادة هيكلة استثمارات الضمان وفق نموذج أقرب إلى الصناديق السيادية ليست مجرد خيار إداري، بل ضرورة استراتيجية تفرضها التطورات الاقتصادية والتحديات المستقبلية فالمطلوب هو تطوير رؤية استثمارية متكاملة تقوم على التنويع، والحوكمة، والاستقلالية، وتعظيم القيمة المضافة، بما يضمن استدامة مالية أقوى ويعزز قدرة المؤسسة على الوفاء بالتزاماتها للأجيال الحالية والمقبلة.
وفي النهاية، نجاح هذا التحول يعتمد على إرادة مؤسسية واضحة، وكفاءات استثمارية متخصصة، وأطر تشريعية داعمة، تجعل من أموال الضمان رافعة تنموية حقيقية، لا مجرد صندوق يدير عوائد تقليدية.
الكاتب من الأردن