محمد غزال: الموقف الياباني من أزمة مضيق هرمز يعكس توازناً استراتيجياً بين التحالفات الدولية والقيود الدستورية
كتبت.. سها البغدادي. ….
أكد المفكر السياسي محمد غزال، رئيس حزب مصر 2000، أن الموقف الياباني من التطورات الجارية في منطقة الخليج العربي، ولا سيما ما يتعلق بالدعوات الدولية لإرسال قوات بحرية إلى Strait of Hormuz، يعكس نموذجاً سياسياً واستراتيجياً بالغ الدلالة في إدارة التوازنات المعقدة بين التحالفات الدولية والمصالح الاقتصادية والقيود الدستورية التي تحكم السياسة الأمنية لليابان.
وأوضح محمد غزال في تصريح لـه أن التوترات المتصاعدة في محيط مضيق هرمز تمثل أحد أخطر التحديات الجيوسياسية التي تواجه النظام الدولي في الوقت الراهن، نظراً للأهمية الحيوية لهذا الممر البحري في حركة تجارة الطاقة العالمية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية، وهو ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة داخله عاملاً مؤثراً بشكل مباشر على استقرار الاقتصاد الدولي.
وأشار إلى أن الدعوة التي وجهها الرئيس الأمريكي Donald Trump لعدد من الدول الصناعية الكبرى، من بينها اليابان، لإرسال سفن حربية للمشاركة في تأمين الملاحة في المضيق وإزالة الألغام البحرية المحتملة، تعكس توجهاً متنامياً داخل الاستراتيجية الأمريكية يقوم على إعادة توزيع أعباء الأمن الدولي بين الحلفاء، خاصة فيما يتعلق بحماية الممرات البحرية الاستراتيجية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.
وأضاف “غزال” أن الموقف الياباني جاء حذراً ومدروساً، حيث أكدت طوكيو أن أي قرار بإرسال سفن حربية أو قوات تابعة لقوات الدفاع الذاتي إلى المنطقة لا يمكن أن يكون استجابة تلقائية لدعوات خارجية، بل يجب أن يخضع لتقييم سيادي مستقل يستند إلى أحكام الدستور الياباني والقانون الدولي، وكذلك إلى تقدير دقيق للمصالح القومية اليابانية.
ولفت إلى أن العامل الحاسم في فهم هذا الموقف يتمثل في القيود الدستورية التي تحكم الدور العسكري لليابان، ولا سيما المادة التاسعة من الدستور التي تحظر استخدام القوة العسكرية كوسيلة لحل النزاعات الدولية. وأوضح أن هذا الإطار القانوني يجعل مشاركة اليابان في عمليات عسكرية مباشرة داخل منطقة نزاع نشط أمراً شديد التعقيد من الناحية القانونية والسياسية.
وأشار إلى أن تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية Sanae Takaichi أكدت أن بلادها لم تتخذ أي قرار بشأن إرسال قوات أو كاسحات ألغام إلى منطقة مضيق هرمز، كما أنها ترى أن المشاركة في عمليات إزالة الألغام خلال استمرار العمليات العسكرية قد تُفسَّر قانونياً على أنها استخدام للقوة ضد دولة أخرى، وهو ما يتعارض مع القيود الدستورية المفروضة على العمل العسكري الياباني.
وأوضح أن اليابان، رغم تحالفها الاستراتيجي الوثيق مع الولايات المتحدة، تحرص على الحفاظ على استقلالية قرارها السياسي والعسكري، خاصة في القضايا التي قد تضعها في مواجهة مباشرة مع أطراف إقليمية، مثل Iran، وهو ما يفسر النهج الحذر الذي تتبعه طوكيو في التعامل مع الأزمة.
وأكد علي أن البعد الاقتصادي يمثل عاملاً محورياً في حسابات اليابان تجاه الأزمة، حيث تعتمد طوكيو بنسبة تقارب 94% على واردات النفط القادمة من الشرق الأوسط، وتعبر الغالبية العظمى من هذه الإمدادات عبر مضيق هرمز، الأمر الذي يجعل استقرار الملاحة في هذا الممر البحري قضية تتعلق بالأمن القومي الاقتصادي الياباني.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن قرار الحكومة اليابانية الإفراج عن نحو 80 مليون برميل من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية يعكس محاولة طوكيو استخدام أدواتها الاقتصادية للتخفيف من تداعيات الأزمة، سواء على السوق المحلية أو على الأسواق العالمية للطاقة.
وأضاف أن هذا التحرك يؤكد أن اليابان تسعى إلى إدارة الأزمة من خلال مزيج من الدبلوماسية النشطة والقوة الاقتصادية، بدلاً من الانخراط العسكري المباشر، وهو نهج يتماشى مع الفلسفة الاستراتيجية التي اتبعتها طوكيو منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي تقوم على توظيف النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي لتعزيز الاستقرار الدولي.
وشدد على أن الأزمة الحالية في مضيق هرمز تكشف عن تحولات أعمق في طبيعة النظام الدولي، حيث باتت القوى الاقتصادية الكبرى أكثر ميلاً إلى تجنب الانخراط العسكري المباشر في الصراعات الإقليمية، مفضلة الاعتماد على أدوات السياسة والدبلوماسية وإدارة الأزمات لحماية مصالحها الاستراتيجية.
وأختتم تصريحه بالتأكيد على أن الموقف الياباني يقدم نموذجاً لسياسة خارجية متوازنة تسعى إلى حماية المصالح الوطنية دون الانجرار إلى صراعات عسكرية معقدة، مشيراً إلى أن إدارة الأزمات الدولية في المرحلة الراهنة تتطلب قدراً أكبر من الحكمة السياسية والتنسيق الدبلوماسي بين القوى الكبرى للحفاظ على استقرار النظام الدولي وتجنب اتساع نطاق الصراعات الإقليمية.
الكاتبة من مصر