من تدوير المياه.. إلى تدوير المحطات التلفزيونية!
تعيش مصر الآن مرحلة «التدوير»، وهو اصطلاح مستدعى من صناعة «تدوير القمامة»، المرتبطة بالتقدم التكنولوجي، الذي مكن العالم الحديث من التخلص من نفاياته والاستفادة منها في الوقت ذاته، وهناك صناعات عملاقة تقوم على ذلك، وتدر دخلاً وفيراً على أصحاب رأس المال!
وقد أبى الأسبوع الماضي أن ينصرف، إلا وهو يحمل للبشرية بشرى عظيمة، تمثلت في تصريح وزير الري بأن مصر خلال السنوات الثلاث المقبلة، ستتفوق في مجال تدوير المياه، الأمر الذي أعاد للأذهان تصريحات سابقة لعبد الفتاح السيسي بأنه بصدد إنشاء مشروعات كبرى لتدوير مياه الصرف الصحي، ليتم استخدامها في الشرب والزراعة، وقال إن هذا المشروع بحاجة إلى مئة مليون دولار، وكان هذا في البداية، وقبل أن تكون كل أحلامه بأثر رجعي تدخل في خانة المليارات، فيعلن أنه كان يحلم قبل ثلاثين عاماً بأن يكون لديه مئة مليار دولار ليوزعها على المصريين!
موضوع «تدوير المياه»، يخرج عن الاختصاص المباشر لهذه الزاوية، الذي ينصب على «النقد التلفزيوني»، وبعد البشرى العظيمة بأن مصر ستكون من الدول المتفوقة في مجال «تدوير المياه»، انتهى الأسبوع الماضي بالإعلان عن بيع قناة «الحياة» لشركة «إعلام المصريين»، وهي محطة تلفزيونية كثيراً ما تتعرض لعملية «التدوير»، وهي حالة معمول بها في مصر، فيجري تدوير مقدمي البرامج، بالانتقال بين المحطات التلفزيونية، وأكثر عملية تدوير تتم بين «الحياة» و»أون تي في»، كما أن الأيام الأخيرة أثبتت عدم جدارة الحكم القائم في مصر، على اختراع اكتشاف اعلاميين جدد، فيحدث أن يستدعي «الاحتياط» بعد أن تركوا الخدمة، ويسري على «كبار الإعلاميين»، ما يسري على «كبار قادة القوات المسلحة»، حيث يظلوا على ذمة الاستدعاء، حتى بعد احالتهم للتقاعد!
فتش «الحاوي» في «جرابه» فلم يجد سوى «محمود سعد»، و»إبراهيم عيسى»، و»توفيق عكاشة»، ولا أعرف إن كان «سعد» لا يزال يقدم برنامجه، أم عاد سريعاً للاستيداع العسكري، فقد رجع للشاشة ميتاً، لا يشغل اهتمام أحد.
أما إبراهيم عيسى، فقد كان الطمع سبباً في وقوعه في شر أعماله، حيث عاد لـ «أون»، قبل أن يهرع لنداء المعتمد السعودي «تركي آل الشيخ»، ويوقع له على تقديم برنامج في محطة جديدة، بات من الواضح أنها كانت فكرة وتم التراجع عنها، وقبل التراجع كان السعوديون عبر مواقع التواصل الاجتماعي قد صبوا جام غضبهم على «آل الشيخ»، الذي يوقع مع إعلامي سبق له أن أهان الملك سلمان نفسه، وعندما تم التوقيع مع «عمرو أديب» لصالح قناة «أم بي سي»، لم يتم التوقيع مع عيسى، الذي اكتفى مرحلياً ببرنامج يقدمه على قناة «الحرة»، لا يتحدث فيه في السياسة، فهذا محظور عليه، فهو يهرب للحديث في التراث، لكن هذا زمن السياسة، وتلك أزمة السيسي!
الضوضاء المزعجة
فالسيسي يريد أن يمنع الحديث في السياسة تماماً، ولو كان على طريقة أحمد موسى، فهو رجل عسكري لم يخض حرباً، فتزعجه الضوضاء، ولو كانت «حلقة ذكر» له، وفي مقابلته الدعائية مع «سندرا نشأت»، قال من الباب لـ «الطاق»، إنه لا يتفهم كيف لمذيع أن يتحدث ثلاث ساعات يومياً؟! ومعروف عنه أنه يعتمد في كلامه شكل «الطلعات الجوية» فعندما تسيطر عليه فكرة، فإنه لا يرتب للحديث فيها السياق المناسب، ولكنه يخرج عن مجرى الكلام فيظهر لسانه ما يدور في خاطره، وهو في هذا نسخة معدلة من ضابط سابق، كان من الضباط الأحرار، الذين قاموا بالحركة المباركة في يوليو/تموز 1952، بقيادة جمال عبد الناصر، واحتفظ بوجوده ناصر والسادات، وتم تعيينه لفترة نائباً لرئيس الوزراء، وهو الفريق «حسن التهامي»!
كان «التهامي» يقول إن «سيدنا الخضر» يمر من أمامه، وبينما ينهمك الناس في حديث ما، يقطعه برد سلام «الخضر» مفزوعا: «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته»، ولم يعد أحد يسأله على من يرد السلام؟ فقد كان يقول إن سيدنا الخضر عليه السلام قد ألقى السلام عليه!
ولأن السادات، كان رجل «مقالب» في الأصل، فقد اصطحبه معه في مفاوضات السلام مع القادة الإسرائيلين، فكاد أن يصيبهم الخفيف، عندما يقطع الصمت أو المباحثات برد السلام على سيدنا «الخضر» بشكل جهوري، فينزعجوا وهم يبحثون عن الداخل الذي رد عليه، فيهدأ من روعهم بأنه «الخضر» مر من هنا!
المرة الوحيدة، التي ربما لم يمر «الخضر» فيها من أمامه، كانت عندما التقيته في منزله لأكثر من ساعة في مقابلة صحافية، منذ ثلاثين عاماً، وسألني رئيس التحرير «وحيد غازي» رحمه الله، إن كان الرجل أربكني بطريقته، وأخبرته بالعكس، فقد كان عاقلاً جداً! ومشكلة السيسي هي في عدم قدرته على ايجاد سياق لرسائله، لذا فإنه يلقيها هكذا، وفي اللحظة التي تختمر الفكرة في ذهنه، فهل هناك أفكار لديه قابلة للاختمار؟! وهل يعطي الفكرة، إن وجدت، الوقت الكافي لأن تختمر؟!
كل من سمعوا له وقتها، قالوا إنه سيلغي كل البرامج التلفزيونية، التي يتحدث فيها المذيع طويلاً، وكان رأيي دائماً أن آخر واحد سيستغني عن خدماته ويحيله للاستيداع هو أحمد موسى، لأنهما أبناء مدرسة واحدة، دعك من توفيق عكاشة، لأنه عندما يشعر بالأمان فإنه يركب الهواء، ويتعامل على أنه مفجر ثورة 30 يونيو/حزيران، التي جاءت بالسيسي رئيساً للبلاد!
أزمة قنوات تركيا
بيد أن مشكلة السيسي في قنوات المعارضة في تركيا، التي صارت هي القنوات المفضلة لدى المصريين، الذين صاموا وأفطروا على بصلة، وانتظروا المن والسلوى على يد «الدكر» الذي قال إن هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه، فإذا بهم يذوقون المر أشكالاً وألواناً على يديه، وصار المصريون حتى في المقاهي يشاهدون «مكملين»، و»الشرق»، و»وطن»، فكان لا بد من التراجع عن فكرة إبعاد هؤلاء الاعلاميين، واستدعاء عدد منهم، فخسروا في جذب انتباه المشاهدين، لأن شرط الاستدعاء ألا يتكلموا في السياسة!
وإزاء هذا الوضع لم يكن أمام قائد الانقلاب العسكري إلا أن يستدعي ذخيرته الحية، فكان توفيق عكاشة، وذات مرة كان البث مشتركاً بين قناتي «الحياة» و»العاصمة»، لكنه عاد في مرحلة ازدياد الوعي، فكثرت البكاء تعلم النوح، والمصريون يعانون الآن شظف العيش، ومرارة الحياة، ولم يعد بامكانهم أن يروا «عكاشة» وهو يرجع ارتفاع الأسعار إلى المواطن نفسه، فقد انتهى الزمن الذي كانت فيه طائفة من المصريين ينظرون إلى عكاشة على أنه «الأستاذ المعلم»، فأصبح الكلام باهتاً، ولم تعد طريقة الفلاح في الكلام بقادرة على جذب الآذان، فحجم الوجع أكبر من أن يترك مجالاً للضحك على نكتة، أو الابتسام في مواجهة تصرف أبله لعبيط القرية!
ولولا الـ «سوشال ميديا»، لما علم الناس بعودة توفيق عكاشة، ولولا احتفاء خصوم السيسي بالفيديوهات الخاصة بالقوم لما راجت، وهم يروجون لها في حملة التشهير بهم وعلى طريقة «شاهد توفيق عكاشة وهو يهين الشعب المصري»، وشاهد الدجل لمذيعة في قناة مملوكة للانقلاب، ولولا ذلك ما سمع أحد بقناة «دي أم سي» أو قناة المخابرات، وهي قناة فيها استوديوهات مبهرة، والعاملون فيها يتقاضون أعلى مرتبات في المجال، لكن في النهاية لا يهتم أحد بمتابعتها إلا عبر الفيديوهات التي يجري الترويج لها عبر وسائط التواصل، وبعناوين مثيرة، وغالباً تكون دعاية ضارة بالنظام، مثل الفيديو الخاصة بحلقة البلاهة، والمخصصة لمواجهة ارتفاع الأسعار، فالضيفة ترجع الأزمة إلى وضع الثلاجة في المطبخ بطريقة معينة، فيخرج منها الطعام، كأن تكون في مواجهة الباب، وتتحدث الضيفة بجدية، فتنتج هذه البلاهة، وتناقشها المذيعة الشابة بجدية أكبر، وكأنه حديث جرى بثه من مستشفى العباسية للأمراض النفسية!
مالك الحياة
البث المشترك لبرنامج «عكاشة» في الأسبوع الماضي لا بد أن يطرح هذا السؤال: من هو مالك قناة «الحياة»؟
لقد فشلت صفقة بيع القناة في السابق، فالشركة ردتها لأصحابها، بعد اكتشاف مديونية كبيرة عليها، وبعد اتمام الصفقة بدأ الدائنون يتقاطرون على الشركة المشترية، وبعد البيع صارت «الحياة» مملوكة لنفس الشركة المالكة لقناة «العاصمة»، التي يديرها ضابط المخابرات ياسر سليم، والرجل الغامض الموفد للشراء والسيطرة على كثير من المؤسسات الإعلامية، لكن «الحياة» عادت للسيد البدوي شحاتة، فهل البدوي شحاتة هو من يملك «الحياة»؟!
من قبل كتبت هنا، أن «الحياة» مملوكة لإماراتيين وأن «البدوي» ليس أكثر من وكيل أعمالهم في القاهرة، وعندما عادت الصفقة لأصحابها قيل إنها بيعت لشركة تواصل، والتي تردد إنها شركة اماراتية، لأن بعملية البيع لشركة اعلام المصريين مؤخراً، وهي واحدة من الشركات الغامضة التي تستحوذ وتشتري المؤسسات الاعلامية لصالح السيسي نفسه، يكون قد تم تجريد الإمارات من قوتها الناعمة في مصر، ولا نعرف ماذا بقي لها من محطات تلفزيونية، وهى في تصرفاتها تقدم مندوبا مصريا عنها باعتباره المالك الفعلي، ومن أين للسيد البدوي، وكل حياته قائمة على صيدليتين لا أكثر، أن يؤسس شبكة اعلامية بحجم «الحياة» وينفق عليها طيلة السنوات الماضية؟!
إنها مرحلة «التدوير»، والتركيز في التفاصيل الخاصة بها تكفي للاصابة بدوار البحر!
صحافي من مصر
