«فخامة المذيع»: واحدة من تجليات مرحلة السيسي!
سليم عزوز
وكما قال الشاعر: وكم ذا بمصر من مضحكات/ ولكنه ضحك كالبكاء!
بيد أن الشاعر القائل، لو كان يعيش بين ظهرانينا إلى الآن وشاهد «الزفة» التي أقيمت لمذيع قناة «صدى البلد» لدى استقبال رئيس المحكمة الدستورية له، فمن المؤكد أنه كان سيموت من هول ما رأى، لأنه سيكتشف أن ما وصفه على زمانه بالمضحكات، يتقزم حتى يكاد لا يُرى بالعين المجردة، أمام هذه الواقعة غير المسبوقة، ليس فقط في تاريخ الإعلام، ولكن أيضاً في تاريخ القضاء، ومنذ أن عرفت البشرية المحاكم!
لا نعرف سر زيارة مذيع «صدى البلد» للمحكمة الدستورية، ولا نعرف بالتالي سر هذا الاستقبال الأسطوري، فما تردد أنها لم تكن لبحث العلاقات الثنائية بين الجانبين، أو لبحث القضايا ذات الاهتمام المشترك، فالزيارة التاريخية كانت بهدف إجراء مقابلة تلفزيونية مع رئيس المحكمة، ولا أعتقد أنها المرة الأولى التي تقع فيها مقابلة تلفزيونية، لكنها المرة الأولى التي تقام فيها «زفة» لمذيع، لدى وصوله إلى مقر عمل من سيحاوره، فلم يتم اختراع التلفزيون تواً، ولم يكن هذا أول انتقال لمذيع خارج الاستوديو، ليتم الاحتفال به على هذا النحو، من باب التأريخ لهذا الحدث الجبار، وغير المسبوق في تاريخ الكائنات الحية!
الفيديو الذي بثته قناة «صدى البلد»، يسجل وصول المذيع لحظة بلحظة، فالكاميرا تستقبله وهو يهبط من سيارته، لتسلمه لكاميرا أخرى عند دخوله الميمون للمحكمة، لتسلمه لثالثة كانت ترابط داخل المصعد، لتستلمه كاميرا رابعة وهو يخرج مصافحا مستقبليه في ممر طويل، وقد اصطفوا لاستقباله على الجانبين، وقبل أن يصل إلى مكتب رئيس المحكمة فوجئنا بكاميرا داخل المكتب ترصد رئيسها وهو في شرف استقبال «الزائر التاريخي»، بينما كاميرا أخرى ترصد تقدم صاحبنا، أقصد صاحبهم، إلى الباب، فيدخل بدون إذن، ويفتحه بنفسه، ليهب المضيف واقفاً ومعانقعا، ثم تنشر صور بدا فيها المذيع متحدثا، بـ «الخنصر» و»البنصر»، و»السبابة»، وكان لـ «الوسط» دور أيضاً في هذا اللقاء الأسطوري!
وقد تحول الاستقبال بحرارته إلى فيديو للدعاية للمذيع، فمن الواضح أنه دعاية أيضاً لحوار لا نعرف مدى أهميته؟ والمحكمة الدستورية العليا لم تنشأ اليوم، فقد أنشأها الرئيس السادات، وإن كان رئيسها تولى عمله حديثاً، بعد تعديل قانون السلطة القضائية، بما يمكن عبد الفتاح السيسي من اختيار رؤساء المحاكم، لكنه ليس الوحيد الذي تم تعيينه بعد هذا القانون، فقد جرى تعيين رئيس المحكمة الإدارية العليا ورئيس محكمة النقض!
يرتب الدستور وضعاً خاصاً لرئيس المحكمة الدستورية العليا في حال خلو موقع رئيس الجمهورية، فهل نعطي لعقولنا الخيال ليشطح، حد الاعتقاد أن الرجل قد يؤهل لدور سياسي في المستقبل، وأن هذه المقابلة هى لتقديمه للرأى العام؟ لكن يحد من «شطحة الخيال» هذه أن «الزفة» هي للمذيع، وليست لرئيس المحكمة، الذي كان جزءا متواضعاً من المشهد المصنوع لصناعة «النجم الزعيم» لدى وصوله لمقر المحكمة الدستورية العليا على كورنيش النيل!
زفة القناة
في محاولة للفهم، قرأت تقريباً كل ما كتب عن هذه الزيارة الميمونة، ولفت انتباهي ما كتبه معلق، بأن هذا المهرجان قامت به قناة «صدى البلد»، ولم تصنعه المحكمة، وهذا صحيح، لكن المحكمة هى سيدة قرارها، وكان من الطبيعي ألا تستخدم في عملية الابتذال هذه، ما لم يكن وراءها دوافع سياسية، لتدشين المذيع أحمد موسى زعيما، يقال إنه سيتولى رئاسة مؤسسة الأهرام الصحافية، فهل يستحق المنصب الجديد، هذا الأداء المبالغ فيه؟! وعدد من تولوا المنصب أكثر من عدد قراء بعض مطبوعات المؤسسة هذه الأيام، ولم تنصب لأي منهم «زفة»!
فحتى لو كان الحساب على صاحب المحل (أقصد صاحب القتاة)، فلم يكن من المنطق أن توافق عليه المحكمة، وبالتدقيق في الفيديو يتأكد المدقق، من أن هذا المشهد تمثيلي، سبقته بروفات، فقد كان (فخامة المذيع) يعرف طريقه بدون توجيه من أحد، وقد وصل لمكتب رئيس المحكمة بدون أن يمر على سكرتاريته، أو أن يظهر بجواره من يشير له على الباب، ليجده مفتوحاً فيدفعه فإذا به طيعا رخواً، وهو إجراء لا يمكن أن يفعله لو ذهب لزيارة رئيس مجلس إدارة «الأهرام» الحالي، فلا بد من المرور بالسكرتارية، وفي عهد رؤساء سابقين لـ «الأهرام» كان سينتظر في السكرتارية إلى يؤذن له بالدخول، مع أنه صحافي في «الأهرام»، قبل أن تُبلى به الشاشة الصغيرة!
ما علينا، فلا أعرف الطبيعة الوظيفية للذين كانوا في استقبال (فخامة المذيع) وهل هم قضاة في المحكمة، أم مجرد موظفين، أم أنهم قضاة على موظفين؟ لكني لاحظت أن الضيف يصافح مستقبليه بشكل انتقائي، فيصافح هذا ويعرض عن هذا، بما يمثل خروجاً على قواعد اللياقة والذوق!
ليظل السؤال مطروحاً بلا إجابة: لماذا كل هذا المهرجان، لمقابلة تلفزيونية، كان يكفي للدعاية لها، أن تستخدم بعض الجمل الساخنة في حوار رئيس المحكمة من باب التشويق، فالمشاهد، لن يدفعه لانتظار اذاعة المقابلة، هذا (الاستقبال الرئاسي) لمذيع، وإن كان أثار الدهشة، على قاعدة: «وكم ذا بمصر من مضحكات»، ويجعل المرء يصاب بالحول العقلي، من جراء ما حدث ويعد غير مبرراً، فهذا المهرجان لم ينصب لعبد الفتاح السيسي، عندما ذهب للمحكمة الدستورية العليا ليؤدي اليمين في ولايته الأولى، فقد كانت لقطة لدى وصوله، وأخرى وهو مع قضاة المحكمة، دون كاميرا تسلم كاميرا، واصطفاف على الجانبين، وسماح لرئيس المحكمة بكاميرا في مكتبه لتسقبل المذيع وتسجل حركات القاضي، وهو في شرف الاستقبال، وهو يهب من كرسيه ويتقدم خطوتين ناحية ضيفه ليكون في الاستقبال اللائق به!
حمام السيسي القديم
ولأننا أمام مشاهد تمثيلية، فلابد من استخدام مصطلحات السينمائيين فنقول لا بد من قطع هنا، ففي الوقت الذي يستقبل فيه أحمد موسى بهذا الشكل، كان زميله وأحد الأذرع الإعلامية تامر عبد المنعم يسجل فيديو يشكو فيه مرارة عيش بعد أن استغنت قناة «العاصمة» عن خدماته، ومعه آخرين، بواسطة ياسر سليم، المسؤول عن قناتي «الحياة» و«العاصمة» مندوباً عن شركة «اعلام المصريين» التي استحوذت على كثير من القنوات والصحف، ولم ينبه «تامر» إلى أن «إعلام المصريين» باع الاقطاعيات الاعلامية إلى شركة «ديجتل»، لكن رغم هذا، فقد بقي ياسر سليم في موقعه، وقد تردد أنه ضابط سابق في المخابرات، هو الآن في مهمة رسمية ليشرف على بعض الاقطاعيات الإعلامية نيابة عن الجهة المالكة وهى الأجهزة الأمنية!
من الواضح، كما جاء في فيديو تامر عبد المنعم، أن ياسر سليم يهدد العاملين بعلاقاته الأمنية، وبكونه مندوباً للجهات السيادية، في محاولة من تامر لانكار العلاقة بما يتنسى له الهجوم عليه، دون أن يؤاخذ بأنه يهاجم مندوباً لهذه الجهات، وليس هذا موضوعنا، فما يعنينا هنا، أنه ليس تامر عبد المنعم فقط الذي تم الاستغناء عن خدماته فعدد كبير ممن كانوا يشكلون أذرعاً إعلامية للسيسي تم التخلص منهم، بعد أن أصبحوا أوراقا محروقة، لم تعد صالحة للاستعمال مرة أخرى، والقائمة تبدأ بـ تامر أمين ولا تنتهي بيوسف الحسيني، الذي كان السيسي يحبه لدرجة أن عرض عليه أن يتولى منصب المحافظ فاعتذر عن هذا التكليف!
فالسيسي يتخلص من حمامه القديم، ويأتي هذا في وقت يتمسك فيه بأحمد موسى ويعض عليه بالنواجز، إلى حد أن يكون مسموحاً له بأن يستقبل استقبال رؤساء الدول عند زيارة قصر الإليزيه، فلم يكن ينقص أحمد موسى إلا أن يستعرض حرس الشرف. وفي استقبال غير مسبوق ولا تعرفه المحاكم بما عُرف عنها من محافظة، فهل من المنطق أن يقبل عبد الفتاح السيسي من ينافسه ويتفوق عليه في الاستعراض؟!
لقد روى رئيس وزراء مصر الأسبق عادل لطفي، في لقاء كنت أحد حضوره كيف أنه لم يستمر في موقعه لأكثر من ستة شهور، لأنه ارتكب خطأ غير مقصوداً، لقد كان عائداً من الكويت، وكانت التقاليد تلزم حين عودة رئيس الحكومة من الخارج أن يستقبله في المطار عدد الوزراء، ويبدو أنه تقليد توقف العمل به بعد هذه الواقعة!
من أعلى الدرج وعندما غادر «لطفي» طائرته ووجد الوزراء في استقباله، لوح لهم بيده، ليكتشف أن هذا التصرف خاص بفرد واحد هو «حسني مبارك»، فتمت اقالته سريعا!
والسيسي ليس متسامحاً إلى حد أن يسمح لأحد أن يتفوق عليه في مراسم الاستقبال، التي لم تحدث معه هو شخصياً، حتى لا تخرج المحكمة عن الوقار المفترض في هيئة قضائية!
وعندما قام السادات بعزل «هيكل» من رئاسة «الأهرام» حدث أن زار الرئيس الفرنسي ميتران القاهرة، وعقب مباحثاتهما سأله السادات عن جدول أعماله، فقال ميتران: سألتقي بهيكل، فاندهش السادات، وقال: لقد عزلته من «الأهرام»، لتكون المفاجأة في رد «العاهل الفرنسي»: أعلم ذلك. وظل السادات بعدها يهاجم هيكل في خطبه ويصفه حاقداً بالصحافي صديق الرؤساء، فهل يقبل السيسي أن يعامل صحافي معاملة الرؤساء؟!
أم أن الأمر مرده إلى أنه يتم «تلميع» المذكور ليكون أحد الأسماء التي يستقر عليها السيسي إذا لم يتلق موافقة أمريكية على طلبه بتعديل الدستور، فتكون البدائل أحمد موسى، وأحمد أبو هشيمة، لتكرار تجربة المؤقت عدلي منصور، فيحكم السيسي في وجوده، ويكون القادم محللاً لا بد أن يدخل بها، بصوت عادل إمام في مسرحية «الواد سيد الشغال؟! فماذا هناك يا قوم؟!
صحافي من مصر