أحمد المجاطي وشعر الحداثة

سلمان الحساني

 

إن تأسيس أحمد المجاطي (الشاعر الناقد) لوعيٍ شعري جديد يندرج ضمن تطور الشعر العربي الحديث في مساره التاريخي، حيث عرف هذا الفن انفتاحا كبيرا على التجارب الشعرية والثقافية الإنسانية الأخرى، حتى برزت حركة شعرية – وليدة الحرية والانفتاح ـ تنادي بالحداثة الأدبية، فقد حاولت هذه الأخيرة التجديد لأبعد الحدود، متجاوزة بذلك الخطوات التي رُسمت من قبل. وبالموازاة مع الدينامية الإبداعية، نجد دينامية نقدية عُنيت بالتنظير والتحليل لهذه المرحلة الجديدة في تاريخ الشعر العربي.
ومن هنا، لا بد من الإشارة إلى أهم مفهوم في هذه التجربة، والمتمثل في مصطلح «الحداثة الأدبية»، ويدل على عملية تجديد ما هو قديم، ويستعمل في المجال الثقافي والفكري أساسا، وهو اسم لمذهب فكري أدبي علماني، ظهر في منتصف القرن التاسع عشر في باريس، على يد العديد من الأدباء السيرياليين والماركسيين والرمزيين، ووصل هذا المصطلح إلى العالم العربي والإسلامي، فتأثر به العديد من المثقفين والأدباء، ومنهم: يوسف الخال وعلي أحمد سعيد (أدونيس) وعبد العزيز المقالح وعبد الوهاب البياتي ومحمود درويش وصلاح عبد الصبور وعبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وكاتب ياسين ومحمد أركون.
ويدخل الناقد أحمد المعداوي المجاطي في هذا الإطار، مستثمرا مفهوم الحداثة في حقل الأدب، ومجتهدا بوعي نقدي في تأسيس نظر شعري جديد، مغاير للتجارب القديمة، في سياق تطور هذا اللون الأدبي، وفي إطار تطوره التاريخي. فمن قبلُ كانت المدرسة الإحيائية تعمل على بعث الشعر القديم وفض غبار الانحطاط عنه، محافظة بذلك على لغة القدماء وأساليبهم التصويرية وطرحهم للأفكار. وتلتها المدرسة الرومانسية الساعية إلى التجديد من خلال ثلاثة أقطاب: قطب متمثل في جماعة الديوان التي ترأسها جماعة من الشعراء، الذين بشروا بقيم جديدة تدور حول الوجدان والفكر وتأمل الذات، وذلك بالانطلاق من البناء السيكولوجي للفرد داخل المجتمع وقت ظهور هذا القطب. وقطب آخر هو تيار الرابطة القلمية، التي يشكلها شعراء المهجر الذين وسَّعوا مفهوم الوجدان، حتى أصبح رحبا يشمل الكون والحياة، حيث لجأ الشاعر إلى الطبيعة واعتصم بالخيال. وآخر الأقطاب هو جماعة أبوللو التي يعرض الشاعر من خلالها وقائع حياته ويعزف على وتر ذاته، وسبب ذلك هو اتساع ثقافته وتنوع اهتماماته الفكرية والعاطفية والفنية .
وعليه، جاءت الدعوة إلى التجديد في الهيكل العام للقصيدة العربية، من خلال المجهود الفردي الذي قامت به الشاعرة الناقدة نازك الملائكة. ليظهر في ما بعد مصطلح الحداثة، ويخترق أرضية الشعر العربي، حيث كان الناقد المجاطي من بين المستقبلين له بصدر رحب، وعرفت الساحة الأدبية نقاشا حول المفهوم الجديد؛ فقد اعتبره الشاعر عباس بيضون عملية «كسر المقاييس وكسر النماذج» القديمة، لكن جوزيف نجيم يعتبر أنه «لا يجوز في الشعر أن تعني الحداثة خروجا عن أصالة الأداء؛ أي حرمة الوزن والقافية» في البناء الشعري، وهذا التصريح في أصله خروج عن الدلالة الحقيقية والدقيقة للمفهوم، حيث إن لالاند يقول إن الحداثة «تقوم على جهل التراث وحب الجديد مهما يكن». ومن هنا فإن للمفهوم «دلالة زمنية، ويعني كل ما لم يصبح عتيقا».
وعلى هذا الأساس، أخذ الأدباء والنقاد الحداثيون الاشتغال في هذا الإطار، ليتطور النقاش ـ في ما بعد- إلى أزمة الحداثة في الشعر العربي. وكان الناقد أحمد المجاطي من بين المنتبهين لهذه الأزمة التي مست الشعر العربي، وهو الناقد الوحيد الذي كرس مجهوده للكتابة حول هذا الموضوع، مدافعا بذلك عن الشعر العربي وأصالته، ويعترف بذلك بقوله: «الواقع أن موضوع الحداثة الشعرية العربية موضوع حساس، لأنه يمس صروحا شعرية ونقدية، شيدها أصحابها منذ زمن، وأقاموا حولها من المتاريس والعسس ما يكفي لقمع أي بادرة تتساءل عن مدى صلابة أو هشاشة الأرضية التي شيدت عليها تلك الصروح، وأنا رجل لا أملك صرحا شعريا أخشى عليه من الجهر بالحقيقة، مهما كانت مُرَّة، كما أنني لا أنوي إقامة صرح نقدي على حساب شعراء هذه الحركة ونقادها، وكل ما في الأمر، أنني بحكم الاحتكاك المتواصل، قراءة وتدريسا وإشرافا على البحوث الجامعية، تكوَّن لديّ اقتناع مفاده أن هذه الحركة تدور حول نفسها، في اتجاه الطريق المسدود».
ومن هذا المنطلق تتبلور مسألة ازدواجية المواقف تجاه هذه الحركة الشعرية، فجانب متحمس لها وجانب ينتقدها ويبين عِللها، ويمثل المجاطي الجانب الثاني، حيث وضع «إرث الحداثة الشعرية على محك القراءة والمساءلة، بكامل الجرأة العلمية والصراحة الأدبية، وحرَث من جديد تربة الحداثة الشعرية وأعاد النظر جذريا في كثير من مسلماتها ومبادئها الأكسيومية».
ولعل المتتبع للمسار النقدي للمجاطي يلاحظ أنه مر بمرحلتين: ويمثل المرحلة الأولى كتابه «ظاهرة الشعر الحديث»، ويمثل المرحلة الثانية كتابه «أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث»؛ حيث عمل في المرحلة الأولى على تأسيس نظر شعري جديد بوضع مرتكزات للقصيدة الحديثة، من خلال استقراء النصوص الشعرية المعاصرة له، آخذا بعين الاعتبار ما يناسب الحداثة الشعرية وما يخالفها.

٭ طالب باحث من المغرب

قد يعجبك ايضا