لا ثم لا.. ولكن!

خالد أحمد الطراح

 

«الكويت الأولى في الدعم والمنح»، كان هذا هو مانشيت القبس في 15 سبتمبر 2018، بينما في اليوم الثاني، أي الأحد 16 سبتمبر، نشرت القبس على الصفحة الأولى خبراً بعنوان «مثقفون قالوا لا للرقابة في ساحة الإرادة»، وهو تعبير صريح للوضع المتناقض الذي نتعايش معه مرغمين وليس مخيرين!
صندوق النقد الدولي، الذي نشر تقريراً عن حجم المنح والدعم الذي تقدمه الكويت لشعوب ودول العالم، جاء بناء على معطيات اقتصادية ومالية، لكن الصندوق الدولي لا يعلم عن الوضع السياسي العام في الكويت.
الحكومة الكويتية لها رؤية ثاقبة تقوم على أساس التربع على المراتب الأولى في المنح والدعم المادي، بينما التراجع في سلم الحريات والتعبير والتضييق على المبدعين، كما بيّن عنها مجموعة من المواطنين من فئات عمرية مختلفة، ضمن وقفة احتجاجية في ساحة الإرادة ضد منع الكتب ومشرط الرقابة، الذي تتفنن في استخدامه وزارة الاعلام بحجج ومبررات واهية، لأنها ببساطة تملك سلطة النشر وعدم النشر.
هذا الوضع المتناقض دفع البعض الى اللجوء للقضاء للفصل في قضايا ثقافية بحتة، وهو انتصار عادل، لكن لم تخرج وزارة الاعلام، التي نصبت نفسها وصية على الشعب بكامله في المعرفة والقراءة والفن والإبداع والترفيه أيضاً بأي درس من هذه الأحكام والوقفات الاحتجاجية، بينما تتشدق شاشة تلفزيون الدولة بالانتصارات الرياضية والاختراعات وسياسات الحكومة المضطربة ضمن إدارة غير مهنية ومتناقضة أيضا في دعم الإبداع ومبادرات الشباب بحيادية واحتراف!
يبدو أن العقول التي تدير مشرط الرقابة عيونها على رضا من هم فوق، وليس على نصوص تهدف إلى إثراء ميدان الثقافة والفكر، فاليوم تضع الحكومة جل اهتمامها لإرضاء بعضهم بعضا، خصوصاً حين تكون أساليب الاختيار للوزراء تقوم غالباً على المحاصصة من دون معايير موضوعية ومهنية، حتى أصبح لدينا وزير لم يصله العلم أن المفكر جلال الدين الرومي تُوفي في عام 1273 ميلادي!
ليس سراً أن وزارة الإعلام، التي تمنع النشر وترفع قضايا على الكتاب الكويتيين، هي نفسها التي تبتهج، بل تشجع بشكل ربما غير مباشر ما يسطره بعض الكتاب من الخارج، لضرب جذور الديموقراطية واقتلاعها، وشن الهجوم على نواب وسياسيين مخضرمين، الى درجة بلغت الاستضافة الرسمية أثناء الحملات الانتخابية، من دون ان تحرك قضية واحدة ضدهم داخل او خارج الكويت، او حتى إصدار بيان استنكار شكلي دفاعاً عن كرامات مواطنين ونظام دستوري للدولة لوضع حد لبعض الأقلام المتهورة، وهو ما تناولته بالتفاصيل في مقالات سابقة نشرتها القبس.
لا، ثم لا، للرقابة، نقولها صراحة ولا للوصاية على المجتمع، ولكن حين تعمل الحكومة بانتقائية بالقفز على مواد وروح الدستور ومذكرته التفسيرية، في ظل دعم بعض نواب حكومة الظل في مجلس الأمة، فالتحدي القادم قد يكون أكبر بكثير مما نتوقع في تكميم الأفواه وكسر الأقلام واجتزاء التاريخ أيضاً، بما في ذلك مرحلة الغزو العراقي والصمود الشعبي الكويتي في الداخل والخارج!
لكن الغريب جدا ان الهيكل التنظيمي للوزارة يضم قطاعاً للإعلام الجديد، وحرص الوزارة على «مواكبة التكنولوجيا والارتقاء بالمستوى الاعلامي»، بينما الواقع هو فرض حدود للمعرفة والثقافة والإبداع بحسب قوانين وزارية.
وزارة الإعلام هي مثال مهني وهيكلي لشحوم زائدة في الجهاز الحكومي، بحاجة الى جراحة لإنقاذها، حتى تتفرغ الحكومة لما هو أهم وأجدى من الرقابة والوصاية، بعد ان تحولت كل التوجهات والدراسات، التي تبنتها حكومات سابقة في تفكيك وزارة الاعلام، الى تبني السمنة في الجهاز الحكومي!
أخشى أن نحرم يوماً من الأحلام!

خالد أحمد الطراح

قد يعجبك ايضا