معركة ذات الصنم

دلع المفتي

 

قام شعبان بن رمضان من نومه، غسل وجهه واتجه إلى حيث صنمه الصباحي… سجد له سجدتين، ثم بدل ملابسه وخرج إلى عمله. في الطريق مر بنافذة محل تعرض مجسمات (مانيكانات)، لم يستطع إلا التوقف عندها، فوضع ما في يده على الأرض، ثم سجد لها سجدتين ومشى في طريقه. أثناء الغداء، توجه إلى مطعم عالمي مشهور، فوجد عند بابه مجسماً لشخصية المطعم، فسجد له سجدة سريعة، ثم دخل ليطلب وجبته. في المساء وقبل أن ينام أخرج مجسماً مطابقاً لشكله كان قد اشتراه من محل افتتح حديثاً في مجمع تجاري، وراح يصلي له قبل أن يضع رأسه على المخدة وينام مرتاحاً هانئاً، بعد أن قام الرجل بعباداته كاملة تجاه الأصنام الموجودة في بلده.
هذا السيناريو المرعب ليس من بنات أفكاري، ولا هو أضغاث أفكار لرواية خيال علمي، بل هذا ما يصوره لنا بعض رجال الدين، الذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها على محل يبيع مجسمات، وصوروا للناس على أن وجود تماثيل في البلد سيربك إيمان الشعب ويخدش دينه ويدعوه للشرك، فيسجد صاغرا أمام أول تمثال أمامه.
من المحزن والمخجل أن تكون في القرن الحادي والعشرين وكل الأمم تنظر إلى الأمام بعين التفاؤل والأمل، وكل ما نفعله نحن هو أن ننظر الى ماضينا بعين الحسرة. كويت الماضي، كويت الستينات والسبعينات، كويت الانفتاح والمعرفة والأدب والفن والموسيقى، الكويت التي كانت ملجأ لكل مبدع وفنان وكاتب، الكويت التي احتضنت غسان كنفاني وأحمد مطر وناجي العلي والكثيرين غيرهم، أصبحت تبكي أيامها الجميلة وتتحسر على روادها. «ممنوع في الكويت» أصبح سمة حالنا. في شهر واحد خرجت علينا ثلاثة أخبار مفزعة: أكثر من 4000 كتاب منعت في الكويت، توجهات لمنع حصص الموسيقى في المدارس، وأخيراً إغلاق محل مجسمات خوفاً على الشعب من الشرك.
اعتقد البعض أن وزارة التجارة أغلقت المحل، الذي يبيع هذه المجسمات، بعد ان روج بعض دعاة التشدد أنهم انتصروا في «معركة ذات الصنم»، لكن الحقيقة أن أصحاب المحل هم من قرروا إيقاف خدمة بيع المنتج، بعد أن قام بعض «المحتسبين» بالتعدي، ومساءلة موظفي المحل عن التماثيل. وبعد مراجعة وزارة التجارة حسم الأمر: انه لا مخالفة قانونية بعرض هذه المجسمات الثلاثية الأبعاد وبيعها. وعلى المتضرر اللجوء إلى القضاء.
التماثيل موجودة في كل مكان في البلد، في المتاحف، في المعارض، في المحال، وفي بيوت الناس، ولم نسمع عن مسلم اتخذ له تمثالاً كآلهة وراح يعبده، فأي مهزلة نعيشها، وأي تخلف يريدون أن يسيطروا به علينا؟ نحن في القرن الحادي والعشرين، الإنسان وصل المريخ، التكنولوجيا والعلوم والاختراعات تسيطر على حياتنا، الذكاء الاصطناعي أصبح حقيقة، وتريدوننا أن نعبد تمثالا؟ أليس الأجدى إن كنا سنعبد «شيئاً»، أن نعبد شيئاً خارقاً، ذكياً ومفيداً؟ ألهذه الدرجة تستهينون بنا وبذكائنا؟
في الحقيقة الأصنام ليست تلك التي نراها في المحال، بل التي سكنت عقول البعض، وجعلتها تعيش الحاضر بجمود الماضي من دون تفكير.

دلع المفتي

[email protected]
@dalaaalmoufti

قد يعجبك ايضا