نور في آخر النفق
وهج 24 : شمس حمراء كالدم، حادة، ضخمة، أفلت يوم الجمعة من خلف خربة خزعة، القرية التي تقع بين خانيونس ورفح، غربي الجدار الحدودي، غربي كيبوتس نير عوز. عندما بدأت الاحداث على الجدار، قبل اكثر بقليل من ستة اشهر، كانت الاجواء خماسينية. انقضى الربيع، وكذا الصيف، والآن الخريف جاء فحسن الغروب. الغروب فقط. 207 قتلى يوجد للفلسطينيين منذ 30 آذار، 5800 اصابة بالنار. للجيش الاسرائيلي يوجد قتيل واحد هو مقاتل جفعاتي افيف ليفي. الافلام في الشبكة وتغريدات السياسيين تخلق احساسا بحافة حرب. اما الواقع فاقل يقينا بكثير. لا ينبغي استبعاد احتمال التوجه نحو تسوية.
أقف على كثبان ترابي عال اقامته الجرافات في الجانب الاسرائيلي من الجدار. امامنا موقع للقناصة الاسرائيليين. قبالتنا خيمة يرفرف فوقها علم فلسطين. هذه واحدة من بؤر خرق النظام الخمسة على طول القطاع. في يوم المظاهرات الاول، العفوي، كانت هناك 25 بؤرة. ارادت قيادة حماس تنظيم الامر فقلصتها الى خمس. فخفف النظام جدا على الجيش الاسرائيلي. وعندما فهموا في غزة الخطأ كان هذا متأخرا جدا: فالجمهور واصل التوجه الى الاماكن التي اعتاد عليها. التقنية لم تتغير: يشعلون اطارات السيارات، وتحت غطاء الدخان الاسود، الكثيف، يحاول الجسورون منهم الوصول الى الجدار. بعض من المهاجمين يحملون العبوات، القنابل اليدوية والاسلحة، بعضهم يأتون بأياد فارغة. يطلق قناصو الجيش الاسرائيلي النار في داخل الدخان. وحسب سجلات الجيش الاسرائيلي، فان 100 من اصل 207 قتلى هم من مقاتلي حماس.
ولدت المواجهة المتواصلة على الجدار انتقادا من اليسار واليمين. فجمعيات حقوق الانسان ترى في اطلاق النار على المخلين بالنظام خرقا للمعايير الدولية؛ أما السياسيون من اليمين فيحتجون على أنه لا تطلق النار بما يكفي. عميقا داخل الارض، حول مواقع حماس، تلقى احيانا القنابل اليدوية، تشعل اطارات السيارات وتطلق النار في الهواء. قد تكون هذه لعبة، قد تكون تدريبا، وقد تكون تجريبا للادوات. السياسيون في اليمين يتوقعون أن يرد القناصة بالنار حتى على مثل هذه النشاطات. ليس الامر الجوهري هو ما يشغل بالهم، بل المظهر هو ما يقلقهم. وعلى حد نهجهم، بقدر ما يكون قتلى في الطرف الآخر، يكون افضل.
أما الجيش الاسرائيلي فقد حبذ التصرف بشكل مختلف. «ما لا يعرضني للخطر، لا يهمني»، يقول احد القادة في الميدان.
توجد قواعد لعب لهذه المواجهة. ويبذل الطرفان جهدا بطوليا للتمسك بها. حماس تركز على خط الجدار؛ حتى عندما يكون لها قتلى، تفضل الامتصاص. يبدأ النشاط قبل المساء. ويتضح جهد لتفعيل حدث واحد كل يوم: في يوم الجمعة يكون الحدث الجماهيري على طول الخط؛ يوم الاحد، في التاسعة مساء، سار 300 شخص نحو الجدار في معبر كارني، امام ناحل عوز. واحد اصيب بالنار في ساقه، فانسحب الآخرون؛ يوم الاثنين تظاهر الالاف على الشاطيء امام كيبوتس زكيم، وبالتوازي حاولت قوارب اجتياز الحدود في البحر.
نتنياهو وليبرمان اختارا الاحتواء. وبين الحين والآخر اطلق الرجلان تهديدات حربية، ولكن هذا كان مجرد خطاب للاغراض الداخلية. كما أن قصف سلاح الجو يتم على طريقة «انقر السطح» ـ وكل شيء كان من اجل منع قتل زائد. نتنياهو، أبو مازن ويحيى السنوار، كل يمسك بعناق الآخر. نتنياهو خنق السنوار ولكنه ترك له فتحة صغيرة للتنفس: مصلحته كانت الحفاظ على حكم حماس، رغم استنكار أبو مازن؛ أبو مازن وثق قبضته على خناق السنوار: أمل في أن يوقع غزة على نتنياهو. وللسنوار ايضا كانت آمال: فقد أمل في أن يفرض مصالحة وطنية فيوقع المسؤولية عن كل ازمة غزة على أبو مازن ويبقي السلاح لديه؛ وكبديل، أمل أن تولد المظاهرات على الجدار انتفاضة جديدة؛ الضفة تقع على أبو مازن وعلى نتنياهو.
أما من اختنق حقا فقد كان السكان، مليونا نسمة. هم ليسوا في اللعبة.
أمس، يوم الخميس، اعلن الجيش الاسرائيلي عن كشف نفق آخر تسلل الى داخل اسرائيل، الـ 15 في عدده في السنة الاخيرة. ينطلق النفق من ناحية خانيونس. يوم الثلاثاء زرت نفقا موازيا، جاء حتى مكان قريب من كيبوتس نيريم، على مسافة كيلومتر داخل الاراضي الاسرائيلية. البناء مثير للانطباع ـ حيطان من الاسمنت، سقف من الاسمنت المسلح، كوابل كهرباء. عرض النفق يسمح لمقاتل واحد مسلح أن يركض في داخله. في نقاط معينة ينزل 20 متر تحت سطح الارض، بين 5 و 6 طوابق.
لقد فشل السنوار في كل خطواته ـ فشل في المصالحة، فشل في خرق الجدار، فشل في الانفاق. ومع ذلك، فقد اثبت تحكما وقدرة على البقاء. في مقابلة مع هذا الملحق، نشرت يوم الجمعة الماضي، عرض على اسرائيل وقف نار لخمس سنوات، يمكنه في اثنائها أن يتعاظم قوة وأن يتسلح. بتعبير آخر، عرض لهدوء الآن ـ وحزب الله بعد ذلك. العروض لا يمكن قبولها، ولكن وقف نار متواضع أكثر هو بالتأكيد خيار.
لقد بالغ نتنياهو هذا الاسبوع، حين اتهم أبو مازن بأنه يخنق غزة. عندما نقل أبو مازن المال لغزة اتهمناه بأنه يدعم الإرهاب؛ وعندما يمنع المال عن غزة نتهمه بأنه ينكل بأبناء شعبه. نحن فقط مسموح لنا خنق السكان الفلسطينيين ـ أما أبو مازن فمحظور عليه.
ذروة الازدواجية الاخلاقية هي الموقف الاسرائيلي من الاونروا. في الماضي نددنا بهذه المنظمة من فوق كل منصة دولية. قلنا، وعن حق، بأن اللجوء الخالد هو امر مرفوض؛ قلنا، وعن حق، انها تتعاون مع حماس. كنا محقين جدا لدرجة أن الرئيس ترامب اقتنع واوقف المساعدات عن الوكالة. اما الآن فنحن نبكي: بدون الاونروا، ماذا سيفعل اطفال غزة؟ من شأنهم أن يتفجروا علينا.
«صيغة استراتيجية للساحة الاسرائيلية الفلسطينية»، هكذا تسمى الوثيقة التي اعدها معهد بحوث الامن القومي. ويوقع على الوثيقة رئيس المعهد عاموس يدلين ونائبه أودي ديكل ومساعدة البحث كيم لافي. في بداية عملية وضع الصيغة شارك رؤساء اركان سابقون، باحثون وخريجو المسيرة السلمية. المعهد هو مؤسسة جدية، وقد جعله يدلين جهة ذات مغزى في كل نقاش استراتيجي.
قام الكتاب بحملة تدريب تمتد 70 كم، وفي النهاية عادوا الى النقطة التي بدأوا منها: لا أمل في الاتفاق. استمرار الوضع القائم سيؤدي الى واقع الدولة الواحدة بين البحر والنهر والى نهاية المشروع الصهيوني. يجب السير نحو حل من طرف واحد. والآن، حين يكون ترامب في الحكم، ومعظم الدول العربية البراغماتية تقبل باسرائيل، توجد نافذة فرص.
يقول يدلين إن «اولئك الذين يتحدثون عن دولتين الآن، يؤمنون بالمسيح الفلسطيني. والذين يؤمنون بدولة واحدة، يؤمنون بمسيح إبن داود. أنا لا انتظر المسيح». جميل. المشكلة هي أن الحل ليس حلا: حلول مثله طرحت في الماضي وتبددت. يدلين وزملاءه يقترحون ابقاء الجيش الاسرائيلي في غور الاردن؛ الكتل الاستيطانية ستبقى؛ وكذا المستوطنات في ظهر الجبل ستبقى، ولكن يجمد البناء فيها. في افضل الاحوال، الخطة هي برنامج سياسي مريح، شبه اكاديمي، لمرشح للانتخابات عن حزب الوسط؛ في حالة اقل جودة فان خطة واحدة اخرى ستلقى الى سلة المهملات.
ناحوم برنياع