خديعة «لا شريك» فلسطيني

 

المحرر الرئيسي لـ«هآرتس» الوف بن، أشعل مؤخرًا نقاشًا جريئًا عندما تساءل فيما إذا كان على مؤيدي تقسيم البلاد أن يغفروا لنتنياهو قضايا الفساد الذي تورط به كما يبدو، في حال استجاب لخطة السلام الغامضة لدونالد ترامب وتقدم نحو حل الدولتين (هآرتس 27.9). ولكن إلى جانب سؤال افتراضي بخصوص المستقبل المقدر، وربما المتخيل، فإن مقال بن يحتوي على مقولة قاطعة بخصوص الماضي غير البعيد، التي هي أيضًا تستحق النقاش.
بالمناسبة، وباعتبارها حقيقة معروفة، يشير بن في مقاله إلى أن «اقتراحات السلام لإيهود أولمرت وإيهود باراك رفضها الفلسطينيون في الماضي». أي ليس ثمة أي فرق بين مباحثات كامب ديفيد في 2000 وعملية أنابوليس في سنوات 2007 ـ 2008. في أنابوليس فقط صودق مرة أخرى على فرضية «لا شريك» التي قالها إيهود باراك، ولكن هذا القول بعيد عن أن يكون دقيقًا. بالعكس يجب الافتراض أن المؤرخين ثاقبي النظر لتاريخ دولة إسرائيل في مطلع القرن الـ 20 والـ 21، سيلاحظون العديد من الفروق الجوهرية بين هذين الحدثين.
الفرق الأول البارز هو في صورة القيادة الفلسطينية والإسرائيلية. في المفاوضات في كامب ديفيد مثّل الشعب الفلسطيني ياسر عرفات، الذي تمسك معظم حياته بنهج النضال المسلح ضد إسرائيل، ووجد صعوبة في التخلي عنه تمامًا. وقف أمامه إيهود باراك الذي رغم أنه خلع زيّه العسكري، لم ينجح في التحرر من خليط التكبر والاشمئزاز تجاه الجانب الفلسطيني. وهكذا عمل باراك، كما يبدو، كل ما بوسعه من أجل بث علاقة اغتراب تجاه عرفات، وفي الوقت الذي توسل فيه الشخص المقرب منه، داني ياتوم، خلال القمة لكي يتصرف بصورة أكثر احترامًا مع الزعيم الفلسطيني، تساءل باراك باستهزاء: «هل تظن أنني لو قدمت له بوريكاس لكان بالإمكان حل المشاكل».
في أنابوليس، وبالمقابل، وقف محمود عباس الذي رفض بصورة واضحة نهج المقاومة العنيفة، أمام إيهود أولمرت الذي سار طريقًا طويلاً من أيدولوجية أرض إسرائيل الكاملة لليمين نحو الحسم بشأن تقسيم البلاد. كما أنه أظهر صبرًا وإبداعية غير عادية من أجل تطبيق هذا الحلم. إزاء هذا، خلق واقعًا إنسانيًا ـ لم يكن بالإمكان تخيله في كامب ديفيد، وبدونه لم يكن بالإمكان التقدم في أي مفاوضات، وأساسه ثقة متبادلة بين كلا الزعيمين، الأمر الذي برز ثانيةً بصورة حقيقية مؤخرا، في لقاء أولمرت وعباس في باريس.
فرق آخر هو أنه في حين أن العقبة الكأداء الرئيسية والتي بسببها فشلت محادثات كامب ديفيد، كانت هي مسألة القدس، بالتحديد في هذا الموضوع الجوهري حدث في أنابوليس تقدم ملحوظ. ارتعب باراك من فكرة تقسيم القدس، ولكن أولمرت بالتعاون مع حاييم رامون، طرح فكرة أصيلة وجريئة، بمقتضاها يكون الحوض المقدس ـ بما فيه البلدة القديمة ـ كمنطقة تحت وصاية خمس دول: السعودية، والأردن، وفلسطين، وإسرائيل والولايات المتحدة. قبل عباس حسب ادعائه أسس اقتراح أولمرت بالرغم من أنه احتج على ضم السكان الفلسطينيين من الطور وسلوان إلى البلدة القديمة بصورة كانت ستجبرهم على العيش خارج السيادة الفلسطينية.
الفرق الثالث المهم جدًا، هو أن عملية كامب ديفيد التي انتهت بفشل ذريع واضح (رغم محاولات الإصلاح المتأخرة جدًا في طابا)، فإن عملية أنابوليس قطعت في ذروتها بسبب ظروف خارجية، وعلى رأسها تزايد التهم بمخالفات رشوة ضد أولمرت، الأمر الذي زاد التردد في الجانب الفلسطيني بسبب الخوف من أنه لن يستطيع مواصلة قيادة العملية كما ينبغي.
خلافًا للرأي واسع الانتشار والمضلل، الذي كرره الوف بن، فإن الفلسطينيين لم يرفضوا اقتراح اولمرت. بالعكس، لقد كان الاقتراح جذابًا في نظرهم أكثر من اقتراحات سابقة لإسرائيل، ولهذا ـ كما كرر أولمرت نفسه منذ 2014 ـ عباس لم يقل «لا للمخطط». حقيقة أن اولمرت ليس ذا شعبية ولا يبعث على الثقة لدى الجمهور الإسرائيلي نظراً لقضايا الفساد التي بسببها أمضى عقوبة بالسجن، يجب ألا تعمى أعيننا عن رؤية الأمور كما هي: بالرغم من أن خلافات كبيرة بقيت كما هي، فإنه في السنوات 2007 ـ 2008 سارا في الطريق الصحيح نحو عملية السلام، التي لم تستكمل بسبب مصادفة تاريخية.
يصعب المبالغة في حجم الضرر الذي وقع، ويواصل وقوعه على مستقبل كلا الشعبين. الرواية الكاذبة نفسها التي تساوي بين كامب ديفيد وانابوليس؛ فبمساعدة هذا العرض والطرح العبثي، وخلافًا للوقائع، تواصل إسرائيل التلويح بالرفض الفلسطيني الموهوم، من أجل تبرير توسيع الاستيطان وتخليد واقع الابرتهايد، من خلال إحباط تقسيم البلاد.
حقيقة أن الوف بن، الذي ليس هنالك شك في التزامه بفكرة تقسيم البلاد، يصادق بأقواله بصورة المفهوم ضمنًا على أسطورة الرفض الفلسطيني في أنابوليس، وهذا يدل على درجة تسرب هذا الاختلاق الخيالي إلى الوعي الإسرائيلي، بما فيهم المؤيدون البارزين لبرنامج الدولتين.
بعد حوالي العقد منذ عملية أنابوليس، حان الوقت لوضع حد لهذه الخديعة. يجب القول بالفم الملآن وفي كل مناسبة، إنهم طوال العقد الأخير يقومون بتضليل الجمهور الإسرائيلي، من خلال جهد تهكمي لمحو إنجازات العملية السياسية التي قادها اولمرت وعباس. من المهم معرفة أن الطريق الصعب لحل الدولتين الذي توقف الإسرائيليون والفلسطينيون في ذروته، ما زال مفتوحًا وينتظر المواصلة.
على مؤيدي تقسيم البلاد أن يستيقظوا وينفضوا عنهم اليأس ويطلقوا حملة جماهيرية من أجل محاربه خديعة (لا شريك) في سياق أنابوليس، وإعادة إسرائيل لتلك المرحلة المتقدمة نسبيًا في المفاوضات التي فحص فيها عباس اقتراح أولمرت ولم يعطِ رده عليه. وبالإمكان القولإان على «هآرتس» ومحررها أن يشاركوا في هذه الحملة ويلعبوا فيها دورًا رئيسًا.

ديمتري شومسكي هآرتس 16/10/2018

قد يعجبك ايضا