المواطن الأردني وثقافة السلامة ” حادث البحر الميت نموذجا “

 

*بقلم العميد المتقاعد منيب العواوده

 

تابعت باهتمام شديد وحثيث كما كل الاردنيين ما ألت إليه نتائج الحادث الذي وقع في اردننا الحبيب ، وهو حدث صادم مفجع في منطقة زرقاء ماعين يوم الخميس الموافق 25/10/2018 وأدى الى إزهاق أرواح أطفال بعمر الورود لا حول لهم ولا قوة مقدما أصدق مشاعر العزاء والمواساة لأسر الضحايا وتمنياتي بالشفاء العاجل للمصابين ولقد تزاحمت لدي أفكار وثارت عندي تساولات ، وفي هذا المجال كمراقب وكخبير في أعمال الدفاع المدني أقول
في البداية أؤكد أن السبب الحقيقي والأساسي وراء وقوع هذا الحادث عدم الاهتمام بثقافة السلامة لحماية الإنسان والممتلكات على مستوى الأفراد وأكثر من ذلك المؤسسات .
في بداية كل موسم مطري نستقبل منخفض جوي يصاحبة تشكل سيول وإنجراف أتربة وحجارة في منطقة الوديان التي تشكلت بفعل الطبيعة حيث تتشكل هذه السيول ويكون جريانها من المناطق المرتفعة إلى المناطق المنخفضة ويمكن تفسير تشكل السيول بانة ونتيجة لوجود اتربية ناعمة(FINE PARTICLE) على سطح الأرض ومع بداية سقوط حبات المطر يصبح سطح الأرض أملس ويمنع الأرض من امتصاص للماء الساقط علية مما يؤدي إلى جريان الماء بشكل أفقي متجها من المنطقة المرتفعة إلى المنخفضة حيث ترتبط سرعة جريان المياه بمدى شدة الإنحدار وعدد الروافد التي تغذي المجرى الرئيسي وتتجمع في مجرى واحد وكلما كانت الروافد أكثر كانت كميات المياه أكثر وكلما كان الإنحدار أشد كانت سرعة المياه أكبر .
يعلم الجميع أن دائرة الارصاد الجوية تقوم بالإبلاغ عن قرب وقوع المنخفض وإحتمالية تشكل السيول كما المواقع التي تعنى بأحوال الطقس وهنا أقول أن التوقعات في السنوات الأخيرة عالية الدقة في التنبوء وقليلا ما يفشل هذا التوقع لإرتباطة بضروف محيطة بالمنخفض مثل شدة الرياح وإتجاهه ونسبة الرطوبة وإرتفاع وإنخفاض درجات الحرارة ومع ذلك يجب أخذ تحذيرات التنبوء الجوي على محمل الجد من قبل الأفراد (لم يحصل نتيجة لعدم الاهتمام بإتخاذ الإحتياطات والإمتثال لإرشادات الجهات الرسمية ) والمؤسسات وهذا ما كان واضحا لدي المديرية العامة للدفاع المدني من نشر التحذيرات والإرشادات ومناشدة المواطنين لأخذ الحيطة والحذر وإتخاذ الإجراءات الضرورية للتعامل مع النتائج السلبية لأي حالة
عند وقوع الحادث فإن الإستجابة الأولي تكون من قبل الأجهزة الأمنية وعلى وجه الخصوص مركز الدفاع المدني في منطقة الحادث ومن خلال التقييم الأولي يتم إبلاغ المرجعية الإدارية بالواقع ومدي الحاجة لتعزيزات من مراكز ومديريات مجاورة أو فرق متخصصة وكذلك أجهزة مساندة من مؤسسات أمنية وعسكرية (الامن العام/قوات الدرك/ الجيش العربي) ومدنية (وزارة البلديات والأشغال العامة…..الخ) وحسب طبيعة الحادث كما حصل في هذا الحادث وما تواجد القيادات في موقع الحادث إلا دليلا على الإصرار لتشكيل قيادة ميدانية لتنسيق الجهود وإتخاذ القرارات المناسبة والإشراف المباشر على الإجراءات والتأكد من فعاليتها .
من الحصافة الإدارية وتوخيا للدقة لا يجوز البحث عمن يتحمل مسؤولية وقوع إصابات أو فقدان أرواح قبل الإنتهاء من معالجة الآثار الناتجة عن الحادث ومن الطبيعي أن يتم تشكيل لجان تحقيق لدراسة الحادث وملابسات وقوعة ومسبباتة والمتسببين في وقوع الخسائر في الأرواح والممتلكات ولكن ما لاحظناه أن العديد من المسئولين ومواقع التواصل الإجتماعي سارعوا في إصدار الأحكام وتحميل المسئولية لإدارة المدرسة بمجرد نشر كتاب موجة إلى إدارة المدرسة من مديرية تربية لواء الجامعة وظهر به أن منطقة الرحلة إلى الأزرق وليس زرقاء ماعين دون التحقق من الكتاب الموجة من المدرسة إلى مديرية التربية ومرفقاتة وعادة ما تكون هذه المرفقات جدول يبين مسار الرحلة والتوقيتات وأن هناك موافقات أولياء الأمور على مشاركة أبنائهم في الرحلة ومثبت عليها مكان الرحلة من هذا الحادث نستخلص الأمور التالية :
قامت الجهات المعنية بالتنبوء الجوي بالإعلان عن الحالة الجوية المتوقعة وأشارت لإحتمال تشكل السيول.
قامت الجهات الرسمية بإتخاذ الإجراءات الضرورية من حيث إصدار الإرشادات والتحذيرات للمواطنين وتوجيههم لعدم الإقتراب من الأودية والأماكن المنخفضة ومجاري السيول .
قامت المدرسة بأخذ الموافقة على تسيير الرحلة في اليوم المذكور (بغض النظر عن مكان تسيير الرحلة) بإنتظار التدقيق في المخاطبات وكان على إدارة المدرسة لإتخاذ قرار إلغاء الرحلة على ضوء ما أعلن عن حالة الطقس المتوقع .
لم تتقيد إدارة المدرسة والمواطنين بالتحذيرات والإرشادات التي اطلقتها الاجهزة المعنية .
كانت الإستجابة من قبل المؤسسات الرسمية كما هو مخطط له وحسب تسلسل الإجراءات للإستجابة لمثل هذه الحوادث .
لوحظ من خلال تواجد مسئؤولين حكوميين وقادة الأجهزة الأمنية في الموقع دلالة على درجة عالية من الإهتمام وزيادة التنسيق والمتابعة وتوحيد الجهود وإدارة الحادث في مكان الحادث  .
سارع العديد من المسئولين ومواقع التواصل الإجتماعي على إصدار الأحكام المسبقة وخلال مجريات التعامل مع الحادث وهدا ما لا يجوز وكان عليهم الإنتظار لنتائج التحقيق .
وجه العديد من المواطنين الإتهام للمؤسسات بوقف عمليات البحث وهذا الإتهام ناجم عن عدم معرفتهم بالظروف المحيطة بالموقع وتوقعات دائرة الأرصاد الجوية بتجدد هطول الأمطار وتشكل سيول جديدة بعد منتصف الليل مما حدا بالمسئولين التخفيف من عدد المشاركين بعمليات البحث خوفا من وقوع ما لا يحمد عقباه فيما لو تجدد تشكل السيول
في النهاية اعتقد انه لا زالت ثقافة السلامة لدى المواطنين والعديد من المؤسسات في أخر أولوياتهم .

عميد دفاع مدني متقاعد

قد يعجبك ايضا