ماذا لو حصل العرب على 20 مقعداً في الكنيست الإسرائيلي؟

 

الخطاب العام في مسألة التصويت لمواطني إسرائيل الفلسطينيين في الانتخابات للكنيست أسير في إطار نقاش ثنائي القطبية وبسيط جداً. في حين أن المشاركة الجماهيرية للمواطنين العرب في الانتخابات ـ التي لم نشهدها في أي يوم ـ تطرح على الأغلب كإشارة على التخلي عن الهوية الوطنية الفلسطينية في صالح الأسرلة، فإن الدعوة لمقاطعة الانتخابات تعتبر تعبيراً أصيلاً لزيادة الوعي الوطني الفلسطيني. ولكن مقابل التعقيد الذي ميز وضع الشعب الفلسطيني في بداية العقد الثامن لفقدان وطنه القومي، يبدو أن القطبية النمطية من هذا النوع بين الفلسطينية والإسرائيلية تقتضي إعادة الفحص.
من حيث صورة متناقضة إلى حد ما، فإن الدولة التي قامت على أنقاض المجتمع الفلسطيني والتي أدت إلى النكبة، توفر الآن بدون قصد لجزء من الشعب الفلسطيني الوسيلة الثابتة والأكثر نجاعة لمواصلة التمسك بجزء من وطنه. القصد هو المواطنة الإسرائيلية. أجل، بفضلها العرب في إسرائيل الآن محصنون من الطرد من الوطن، الأمر الذي لا يمكن قوله بالطبع عن فلسطينيي 1967.
إضافة إلى ذلك، لأن الدولة الإسرائيلية التي تحتل أراضي فلسطين وتمنع عودة الفلسطينيين إلى وطنهم، تلعب بطبيعة الحال دوراً حاسماً في حياة الشعب الفلسطيني، فإن واقع المواطنة الإسرائيلية النشطة ـ التي ليس من الصحيح أنها من الخصائص الأساسية للأسرلة -قد تمكن الفلسطينيين الإسرائيليين من التأثير بصورة جوهرية على مستقبل الشعب الفلسطيني كله.
في هذه النقطة تصعب المبالغة في أهمية التصويت للكنيست. لنتخيل أن القائمة المشتركة لا تتفكك، بل تتبلور من جديد إلى حزب وطني فلسطيني موحد. المواطنون الفلسطينيون يصوتون لصالحها بجموعهم، والحزب الجديد يحصل على عشرين مقعداً. بتعاون مع الحزب الوطني الفلسطيني يتم تشكيل حكومة يسار شجاعة، تتوصل إلى اتفاق سياسي مع السلطة الفلسطينية على تقسيم البلاد إلى دولتين، من خلال تفكيك كامل لمشروع الاستيطان القمعي. الشعب الفلسطيني يحظى بتحرر قومي في جزء من وطنه ـ وهذا هو المدهش جداً، بفضل هذه الأسرلة للمواطنين الفلسطينيين الموصوفة كنقيض للنشاط القومي الفلسطيني.
من المعقول حقاً الافتراض أن سيناريو كهذا لن يثير حماسة زائدة في أوساط عدد كبير من مواطني إسرائيل الفلسطينيين الذين لديهم وعي وطني عميق. سيقولون على الأغلب إن الأمر يتعلق بنموذج مثل أوسلو، التخلي عن فلسطينيي الـ 1948، ومصالحهم كأقلية قومية لصالح رعايا الدولة اليهودية، التي في لحظة التوصل إلى تسوية سيتم وضع كل مطلب لهم جانباً لتجسيد حقوق وطنية جماعية لهم، بزعم أن حقوقهم الوطنية يجب أن يطالبوا بها في الدولة القومية الفلسطينية. ولكن الحقيقة هي أنه ليس هناك طريقة لتقويم مظالم 1948 سوى تلك الطريقة التي تمر بإنهاء احتلال 1967 على أساس الاعتراف المتبادل الكامل بين القومية الصهيونية والقومية الفلسطينية، من خلال المساواة في حق تقرير المصير القومي بين النهر والبحر، حيث إن الاستعداد القومي للفلسطينيين معدومي حقوق المواطنة في مناطق 1967 واستمرار النزاع القومي النازف مع الحركة الوطنية الفلسطينية، تنعكس بصورة واضحة سلباً على مكانة الفلسطينيين مواطني إسرائيل من خلال تعميق شيطنتهم وتشجيع العنصرية تجاههم.
في المقابل، من يعتقد أنه يمكن التوصل إلى مساواة حقيقية بين القومية اليهودية والقومية الفلسطينية في إطار دولة واحدة، يخطئ بوهم خطير. فذلك سيكون كياناً استيطانياً ضمنياً، دولة قانون القومية، الذي يحدد نهائياً المكانة المتدنية للمواطنين الفلسطينيين في الطابق السفلي في مبنى المواطنة الإسرائيلية. دولة كهذه ـ في خلاف قطبي لنبوءات الغضب لبني موريس، الذي يتصور الإسرائيليين الذين في أيديهم آلة عسكرية من أفضل الآلات تطوراً في العالم، كأقلية مضطهدة ـ ستحول السكان الفلسطينيين إلى مجموعة قومية مقموعة أكثر من أي وقت مضى، وستضطر بمعظمها، بعد حرب أهلية دموية إلى الهجرة من وطنها.
في المقابل، الدولة التي ستخرج من المعركة أمام مشروع الاحتلال والاستيطان منتصرة، بعد ضربة قاضية ستوقعها على رأس القومية المتطرفة اليهودية المسيحانية، سيكون بالإمكان البدء في محو التشريع العنصري من كتاب القوانين الإسرائيلية، والبدء من جديد في إعادة بناء الدولة الإسرائيلية التي ستدمج بين الهوية اليهودية والمساواة المدنية والقومية في أوساط كل مواطنيها.
صحيح، من أجل أن يتحول هذا السيناريو الخيالي إلى حقيقة سيكون على مواطني إسرائيل الفلسطينيين أن يوافقوا على حسم داخلي وطني صعب، الرؤيا التي بموجبها ستعبر دولة إسرائيل- رغم أنها قامت خلافاً لرغبة الفلسطينيين وسلبت منهم وطنهم ـ عن مبدأ عادل لتقرير المصير القومي للشعب اليهودي. من أجل حدوث ذلك يجب على معظم اليهود أن يثبتوا للفلسطينيين بأن حق تقرير المصير القومي لليهود لا يشمل أي جزء، حتى لو صغيراً، من الهيمنة القومية، بل يمكنه أن يتعايش تحت سقف واحد مع حقوق الأقلية القومية للمواطنين الفلسطينيين، الذين لهم أيضاً الحق الكامل في تقرير المصير القومي ـ الثقافي في الدولة الإسرائيلية المدنية واليهودية الليبرالية؛ دولة تعترف بمسؤولية الحركة الصهيونية على مظالم الماضي وتعمل بإخلاص وبجدية على إصلاح ما يمكن إصلاحه، بما في ذلك دفع التعويضات لعائلات اللاجئين في الداخل الذين فقدوا بيوتهم وأملاكهم في زمن النكبة؛ التمييز لصالح الفلسطينيين في الحاضر، وكذلك الاستعداد لاستيعاب عدد محدود وبشكل تدريجي من أحفاد اللاجئين في إسرائيل، بصيغة ما وافق عليه اهود اولمرت في «انابوليس».
ولكن الشرط المسبق والأساسي لتحقق هذا السيناريو هو أن مواطني إسرائيل الفلسطينيين يتحركون بأعداد كبيرة نحو صناديق الاقتراع. هذا التطور من جانبهم ممكن، لكن فقط إذا اعترفت الأقلية القومية الفلسطينية في إسرائيل بأن الأسرلة ـ كعملية للمشاركة المتزايدة للفلسطينيين في تحديد صورة وطابع إسرائيل ـ لا تناقض المصالح القومية للشعب الفلسطيني، بل العكس، تشكل أحد الأدوات الأساسية من أجل تحقيق هذه المصالح.

دمتري شومسكي
هآرتس 16/1/2019

قد يعجبك ايضا